اراء

الأمة العربية.. اكون او لا اكون

بقلم: نسيمة عبد الرحمان..
عاشت الأمة العربية في مراحل تاريخها في اوّج عصرها برزت حينها زعمات طالما آمنت بالقومية العربية وبفكرة الوحدة، فسُجِلت عبر التاريخ ليس بالبعيد محطات تاريخية مشرقة كُتِبت بأحرف من ذهب، لتبقى إرثا شاهدا للأجيال، نستذكر بعضها لكي لا ننسى أن مجدا مر من هنا.
في سنة 1956 إنعقد مؤتمر ببيروت داعما لمصر في مواجهة العدوان الثلاثي (اسرائيل، فرنسا وبريطانيا)، بعد قرار جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. ثم جاءت قمة الخرطوم في 1967 المعروفة باللآآت الثلاثة والتي كان مضمونها “لا سلام مع اسرائيل، لا إعتراف باسرائيل ولا مفاوضات مع اسرائيل“، تأكيدا على مركزية القضية الفلسطينية. حرب اكتوبر 1973 لا تقل أهمية عن بقياتها، حيث وقفت الدول العربية وقفة رجل واحد في حشد الجيوش لتصنع جبهة موحدة لردع الاستبداد والهيمنة، إمتزجت دماء أبنائها الشهداء للدفاع عن الكرامة والسيادة.
الثورة الجزائرية كانت محطة محورية ومرجعية لكل الحركات التحررية ونموذجا للفكر المقاوم دُفِع من أجل سيادتها أكثر من مليون ونصف مليون شهيد كان الدعم السياسي والمادي لهذه الثورة العظيمة بارزا لتبرهن الأمة العربية عن وحدتها مجددا. هذه الحقبات التاريخية أصبحت جزءا لا يتجزأ من الهوية العربية.
عَرفت هذه الفترة الاشعاع الغنائي الثوري إستطاع أن يعزز روح القومية والنداء بالصمود والتصدي في وجه كل معتدي. وظلت القضية الفلسطينية القاسم المشترك لهذه الأمة، تُحشد لها الاموال، وتُدون لها الخطابات وتُعقد لأجلها مؤتمرات ليبقى صوت العرب يدوي في المحافل الدولية. كما أُدرجت القضية الفلسطينية في المناهج الدراسية لتبقى بَوصَلة الأجيال كرمز للنضال من أجل الحرية. إنكسر هذا المسار وأصبح حلما، عندما لُغِّمت الأمة العربية وجُرِّدت من قوميتها، إنقسم الصف وإنتشرت الفتن. إستفرد بكل دولة على حدى من كيان صهيوني خطّط له منذ عقود.
هذا الورم الصهيوني زجّ بسمومه داخل الجسد الواحد وفككه بفتن عقائدية طائفيّة سنية شيعية. وقد أشار ابن خلدون قائلا:”إنّ الصراعات السياسية لا بد لها من نزعة قبلية او دينية لكي يقبل الناس على القتال والموت، فيتخيلون أنهم يموتون لأجلها“. أيَّده في هذه النظرية الإعلامي الرمز محمد حسنين هيكل مبرزا «أن الفتنة الطائفية بين العرب والمسلمين مُمَوَّلة ومدعومة من الولايات المتحدة الامريكية، وبأيد وأموال عربية لغرض خدمة اسرائيل».
ولأن هذا الثنائي لا يبالي بسيادة الأمم ولا بتاريخها، يمارس سياسة الترهيب والتخويف نتيجة إنقسامنا وضعفنا، لولا ذلك ما هو إلا وهم عَشعَش في عقولنا. استطاع هذا الثنائي أن يحول الصِّراع الصهيوني العربي الى صراع عربي عربي، أنتج عنه توسع فجوة الخلافات والنزاعات بين أبناء الأمة الواحدة، وتحولت الأوطان الى ساحات صراع تُستَنزف فيها الطاقات وتُهدر فيها الثروات لخدمة ومصلحة العدو.
متى سنبقى سذجًا لنُصدِّق ما يُسَوَّق لنا من أفكار يُراد بها شرخ بين أبناء الأمة الواحدة، التي أهْدت عدوّها سكينا ليذبحَها من الوريد الى الوريد. ألم يحن الوقت أن ندرك خطر النّزعة التّوسعية للصهاينة، التي ليست وليدة الامس، حروب تُشَنّ علينا بسردية الصراع من أجل الوجود. اذا استمرت الهيمنة الاسرائلية الامريكية على ثرواتنا واراضينا، ستنقلب الآية وحينها نحن المهدّدون بالوجود. هل محتوم على الأمة العربية أن تعيش صراعات قديمة متجددة، كانت جزء منها (يخربون بيوتهم بأيديهم). كلما أرادت أن تغير مصيرها أو التفكير في إعادة ترميم جسدَها لتصنع مجدا جديدا حطّم الحلم وإنطفأ الأفق. إلّا أن الشدائد تصنع رجالا أقوياء. لا يكفي استحضار امجادنا من خلال لقطات ارشيفية تلفزيونية او قراءتنا للكتب التاريخية وفي بعض الأحيان الإستعانة بشهدات حية مِمَّن واكب فترة الزمن الجميل إن لم تَخُنه الذاكرة. فإذا كان التاريخ يشهد لزعمائنا بالمجد فإن صفحاته لم تَنقضِ بعد لتُؤرخَ لنا ما تبقّى إصلاحه في امة تتآكل بداخلها والوحدة ليست مجرد شعار يُرفَع بل مصير يُبنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى