اراء

لم يدقّوا.. لأن الخزان صار وطناً

بقلم: نادية حرحش..
عندما كتب غسان كنفاني: “لماذا لم يدقّوا على الخزان؟” في رجال في الشمس، كانت تلك المسافة في الصحراء، الواصلة إلى الكويت، موحشة ومضطربة ومتعرجة، يتجلى فيها الخوف والرهبة، ممزوجين بالجهل أيضاً. ويمكن التفكير في هذا الأمر، كما في كل مرة، من زاوية الخوف والحواجز التي يبنيها المرء بينه وبين نفسه، قبل تلك التي تهدده بالخطر الفعلي. كنت، كغيري، أستخدم هذا التعبير للبحث عن مخرج ذي مغزى لحالنا الفلسطيني المبتلى بطعم الفساد.
منذ إغلاق الاحتلال الإسرائيلي باب تراخيص العمل، العمّال الذين شكّلوا دوماً، كما قال أحد المتحدثين السابقين باسم الحكومة، الخاصرة الرخوة للمجتمع الفلسطيني، صاروا في أسفل هذه الخاصرة، لينزلقوا إلى أدنى ما يمكن سحقه في هذا المجتمع. مئات الآلاف من الفلسطينيين، الذين تعتمد حياتهم على التراخيص والعمل لدى الاحتلال في مدن الداخل، وجدوا أنفسهم أمام غياب، أو بالأحرى انعدام الفرص؛ وهي فرص لم تعد متاحة لدى السلطة الفلسطينية، التي باتت تعتمد على أموال المقاصة التي قد يفرج عنها الاحتلال، لتستخدمها في دفع بعض رواتب موظفيها.
يمكن النظر إلى الأمر من زاوية محددة ولوم الاحتلال على ذلك. وبالتأكيد لا يوجد متهم آخر في انهيار الوضع وتفاقمه، بين موظفي سلطة وعمال بالمياومة لدى المشغّلين الاسرائيليين. ولكن إذا نظرنا إلى ما تراه العين في الشارع الفلسطيني من مشاهد ازدهار: مبانٍ جديدة، ومحلات، ومقاهٍ، ومطاعم، وغيرها من المشاريع المكلفة، فلا يملك المرء إلا أن يسأل: كيف يعيش باقي الشعب الفلسطيني؟ بين أموال مساعدات تدخل إلى الحكومة، وتوظيفات وتعيينات، ومبالغ طائلة تُصرف لمن توليهم السلطة اهتمامها، يمكن فهم كيف جرى سحق الخاصرة الرخوة ورميها إلى مصير قاتم ومهين.
ولكن هل كنّا نتخيل أن يصبح الاتجار بالبشر على غرار ما حدث مع العمال الصينيين في بريطانيا، وقوارب الموت التي تقل اللاجئين من سوريين وغيرهم إلى شواطئ الغرب الاوروبي؟ الحقيقة أنني لم أتخيل أبداً أن نعيش هذا المشهد؛ مشهداً لا يحتاج فيه المرء إلى قطع بحار أو محيطات أو حدود دوليّة، بل إلى اجتياز مسافة بضعة كيلومترات من مدينة إلى أخرى، على أيدي رجال ينتمون إلى بعضهم بالدم والعرق والجيرة، وربما بالقرابة. تجار الدم، تجارة البشر الرق: هذا ما شهدناه عندما فتحت ناقلة النفايات فوهتها، لتخرج منها عشرات الرجال المكتظين بدل النفايات، متكدسين كما تتكدس النفايات في الحاوية، حتى ألقي بهم أمام الجنود، ليتلقوا الضرب والدفع من كل صوب -كما يظهر في المقاطع المصوّرة-، وكأنهم حيوانات حُشرت في قفص، لا بل حشر الحيوانات في قفص أرحم.
عند النظر إلى الأمر من زاويتين متقابلتين لتحميل المسؤولية في مآل هذا الوضع الكارثي، بين الاحتلال الإسرائيلي والسلطة العدمية، لا يمكن تجاهل دور تجار البشر المجرمين الذين يقفون وراء هذه الأعمال. فهذه الحادثة الكارثية لم تكن الأولى. شاهدنا قبل أسابيع عشرات العمال يتهاوون من سقف سيارة تكدسوا عليها في مكان المكيّف. وبالتأكيد لم تكن تلك الحالات الوحيدة، وما جرى لا يمكن اعتباره أمراً منفرداً لتجّار نقل جشعين فحسب.
نعم الحاجة قاسية، ولكن ما نراه ليس مجرد قسوة، بل جريمة في حق الإنسانية، ووحشية تطال ما تبقى من ضمائر لم يعتصرها بعدُ ألم انهيار النخوة وتغوّل الجشع.
من يقف وراء هؤلاء؟
هل بتنا نعيش في وقت تسوده العصابات؟ هل من يقوم بهذا هو السائق ذاته؟ هل قرر سائق الحاوية أن يبتكر طرق التهريب؟ وكذلك سائق الباص قبله؟ كنّا نشهد محاولات تسلل العمال عبر سلك شائك أو تسلق جدار، ليعرض الواحد منهم حياته للخطر، فندرك ألم وصعوبة محاولة الحصول على لقمة العيش. ولكن تلك المغامرات لم تكن لتنتهي هناك؛ إذ ينتظر الرجل الذي لم يقع، أو لم يتكهرب، أو لم تلتقطه كاميرات الجيش، تاجر توصيل يأخذ منه ما كان مكتب الارتباط ينتزعه سابقاً من العامل مقابل ترخيص العمل.
قبل شهرين كنت شاهدة على سقوط عامل أمامي. كان قد اجتاز، على ما يبدو، الجدار قفزاً، وظن أنه نجا، فتوقف ليأخذ استراحة ويدخّن سيجارة، إلا أن قلبه لم يحتمل، فسقط على الأرض. وبين صياح رفيقه وذعرنا من وقوعه المفاجئ، كان هناك مشهد آخر، سيارة جاءت مسرعة، وظننا أنها أتت لتساعده، لنكتشف أنها أتت لتأخذ الرجل السليم وتهرّبه. كان مشهد ترك رجل للموت بهذه الفجاحة كمن يغرز سكيناً في الصدر ويواصل الطعن بلا رأفة. وكانت رأفة الله بذلك الشاب أقوى، عندما استطاع زملائي تقديم تنفّسٍ اصطناعيّ له إلى أن وصلت سيارة الإسعاف الإسرائيلية. ولم تنتهِ قسوة ذلك المشهد هنا؛ فقد كانت هناك لحظات من التردد حول أي إسعاف يجب الاتصال به، لرجل رجّحنا أنّه “عامل”. وبالفعل، جاءت الرحمة مع وصول الإسعاف الإسرائيلي، الذي بذل كل الجهد لإنقاذه.. وأنقذه.
علمت لاحقاً من عائلة الرجل أن سائق السيارة حصل على ثلاثة آلاف شيكل لنقله إلى “الداخل”.
بعد رؤية الرجال يخرجون أحياء بأعجوبة من حاوية النفايات، تساءلت: كيف يحدث هذا؟ فبين سائق تاكسي، أو حافلة نقل، أو حافلة نفايات، هناك ما يشير إلى وجود أنماط تهريب منظمة لتجّار البشر.
في مجتمعات طبيعية، تسقط حكومات عند وقوع فاجعة كهذه. ولكن في حالتنا، وبين لوم الضحية ولوم الاحتلال المسبب لها، تسقط مسؤولية السلطة. وهنا أسأل: هل كانت هذه الأمور بعيدة عن عيون أو إدراك نقابة العمال الفلسطينيين؟ هل كانت بعيدة عن إدراك وزارة المواصلات؟ عن الأمن الفلسطيني المتغلغل في تفاصيل حياتهم؟
أعرف أن الكلام لم يعد مجدياً، ولا أن للشكوى باباً يمكن طرقه. ولكن.. في نعش هذه السلطة، هذا مسمار آخر يُدقّ في خشبه المتآكل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى