اخر الأخبارثقافية

المثقف والمسؤولية

عبد الكريم المصطفاوي

إن مطالبة المثقف بإبداء رأيه في القضايا الراهنة، سيما ونحن الآن نرى العالم يمر بمنعطف خطير، ليست مجرد دعوة للاستعراض أو فرض وصاية أخلاقية أو ايديولوجية محضة، بل هي جزء من واجبه الثقافي و الاجتماعي والتاريخي.
المثقف، بطبيعته، يعيش في ثنائية الفكر والحياة، فهو ليس مجرد متابع للأحداث أو مشاهد عابر لها، بل مشارك فيها ومفسر لها، ووسيط بين المعرفة والوعي الجماهيري.
يقول غرامشي: إن المثقف العضوي يجب أن يكون جزءا من المجتمع، مرتبطا بقضاياه، بحيث يعكس من خلال عمله الفلسفي والسياسي مصالح الأمة التي ينتمي إليها. المثقف، وفق غرامشي، ليس كاتبا أو ناقدا معزولا، بل عامل تغيير قادر على صياغة (الوعي التاريخي)، أي أن دوره يتجاوز النقد والتاويل إلى المشاركة الفاعلة في إعادة تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي.
وفي السياق نفسه يرى سارتر أن المثقف هو (المواطن الكوني) الذي لا يمكن أن يتهرب من مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية. الحرية الفكرية والأدبية للمثقف، بحسب سارتر، ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لمواجهة الظلم، وكشف الفساد، وإدانة الإرهاب والقمع أينما كان. وإذا بقي صامتا أمام الظلم، فإنه يشارك بشكل ضمني في الظلم ذاته.
اليوم، ومع ما يمر به العالم من هيمنة لمعتوهين يقودان العالم نحو حافة الهاوية، يبرز السؤال: هل يكتفي المثقف بتعليقات هامشية على أحداث عابرة، أم يتحمل مسؤولية تاريخية أكبر؟ إن مجرد المشاركة في الحياة اليومية أو القضايا الثانوية لا يكفي، المطلوب هو موقف معرفي وأخلاقي واضح تجاه ما تمر به منطقتنا في هذه الأوقات العصيبة، سيما ما يمر به لبنان في هذه الدقائق ونحن نكتب هذا المقال.
لقد أظهر التاريخ أن صمت المثقف أمام الظلم ليس مجرد غياب صوت، بل فقدان لبوصلة القيم الإنسانية. ومن هنا تصبح دعوة المثقفين لإبداء الرأي واجبًا تاريخيا وأخلاقيا، يربط بين الإبداع والعمل، بين الحرية والمعاناة، بين الوعي الفردي والمسؤولية المشتركة.
والله من وراء القصد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى