الخطاب القرآني

محمد علي جواد تقي..
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} من أهم وأبرز مهام الأدب، إقامة جسور العلاقة بين القلوب والنفوس بأعذب الكلمات، وأخفها وزناً، وأغناها معنىً ودلالة، فكانت البلاغة من أرقى فنون اللغة العربية كونها تنقل الفكرة بشكل مركز ومختصر، مع مسحة من جمال اللفظ بما يضفي على المعنى جمالاً آخر.
وكلما كانت جسور العلاقة المعنوية مزدانة بالألفاظ الراقية والمهذبة، كانت جسور العلاقة المادية أقوى وأنفع في نطاق الأسرة؛ بين الزوجين، وبينهما وبين الأولاد، وفي نطاق أوسع؛ بين الأصدقاء، ثم الزملاء في محيط العمل، وفي جميع نواحي المجتمع.
الخطاب القرآني.. نموذج الخطاب الحَسِن
لمن يتصفح السور القرآنية، وتحديداً السور المدنية تجذبه التفاتات أدبية رائعة في الخطاب السماوي لإنسان ذلك اليوم، وانسان هذا اليوم، والى يوم القيامة، ولعل هذا المستوى الراقي من الخطاب هو الذي جعل هذا الكتاب يتميز عن دونه من سائر الكتب التي بين يدي البشرية منذ أربعة عشر قرناً لما أضيف الى قدسيته؛ الجانب الأدبي الرفيع في الخطاب، بل إنه دعانا للاقتداء بهذا الأسلوب اللطيف في الخطاب فيما بيننا من خلال الآية الكريمة التي صدرنا بها المقال.
في السور المدنية آيات تطرقت الى حياة المسلمين والى أحداث وقعت في المحيط الاجتماعي إبان تشييد أول دولة اسلامية على يد الرسول الأكرم، بينما نلاحظ السور المكّية تتركز على مسائل العقيدة بالدرجة الاولى، والعِبر من الأقوام السابقة التي كفرت بالتوحيد وحاربت الأنبياء والمرسلين، ويمكن تسليط الضوء على ثلاثة محاور من الخطابات القرآنية في السور المدنية التي عالجت ظواهر وقضايا اجتماعية نجد امتداداتها في واقعنا الاجتماعي اليوم.
المحور الأول: عدم تعميم الحالة السلبية
ورد في كتب السِير والتأريخ، أن جماعة من الأعراب قدموا المدينة “وقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا الى هذا الرجل فان يكن نبياً فنحن أسعد الناس باتباعه، وإن يكن ملكاً نعيش في جنابه، فأتوا النبي الأكرم، فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد! اخرج الينا” فنزلت سورة كاملة باسم “الحُجرات، وفيها الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون}، ومن الواضح لكل انسان لبيب، أن عدم رجاحة العقل تشمل جميع هؤلاء الذين كانوا في الزقاق وينادون النبي وهو في حجرة نومه، وليس لبعضهم كما يشير ظاهر الآية الكريمة، إنما جاء الخطاب بهذه الأسلوب لترك مجالٍ للانتباه والرجوع الى السلوك الحسن.
ولا شك أن هؤلاء، مع جموع المسلمين في حينها سمعوا بنزول هذه الآية وعرفوا القصة، كما عرفوا أشخاصها، فلو كان الخطاب مثلاً: “جميعهم لا يعقلون”، لكان من الصعب عليهم –المنادين على النبي- العثور على خط رجعة أو تصحيح مسارهم لأن القرآن الكريم كان قد أغلق بخطابه الحاد كل الطرق بوجههم ليتحولوا الى أفراد منبوذين في المجتمع، وهو ما لا يريده القرآن ولا الإسلام في نظامه الاجتماعي.
المحور الثاني: عدم الاستعلاء
وهنا ثمة التفاتة مهمة للغاية في أمر المخاطبة الناجحة عندما تكون متبادلة، لا أن تكون من طرف واحد معتدّ برأيه رغم صحته، فالإنسان يبقى ذا نزعات نفسية مغروزة لديه يعتزّ بنفسه وإن كان على باطل وخطأ، فالرسول الأكرم، وهو مبعوث من عند الله تعالى على يقين بأنه الصادق والمصدّق، ويفترض ان يطيعه الناس ويصدقوه، وهو الشعور الذي لدى أي واحد منّا لو كان أقل بمعشار ما كان لدى النبي الأكرم، ولكن القرآن له رأيٌ آخر ومعالجة جذرية يحول النزعة النفسية ذات الطابع السلبي الى مرقاة للهداية والفلاح من خلال الآية الكريمة في سورة سبأ: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
النبي الأكرم، وبتوصية إلهية مباشرة جعل نفسه، مع المشككين بنبوته في مكة على حدٍ سواء، والسبب في رأي المفسرين، أن الاسلوب يجعل الكافر يشكك في طريقه شكّاً منهجياً، كما يشك -على الأقل- في صدق الرسالة، مما يجره للبحث والتعرف، وهذا بالطبع سيقوده الى الحق، مرحلة فمرحلة، وانما يبقى في الضلال الذي لا يشكك نفسه، بل يعتقد جازماً أنه على صواب.
المحور الثالث: لا للانتقاص
حصل أن جادل نصارى نجران في المدينة رسول الله في نبوته ورسالته، ولم يقبلوا براهينه وأدلته بأن النبي الخاتم لأهل الأرض، فنزلت الآية الكريمة في سورة آل عمران، بأن {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين}، والسماء تشهد أن النبي الأكرم هو الصادق في قوله، وأن موقف الطرف المقابل على باطل، مع هذا يأتي الخطاب القرآني الذي قرأه وسمعه النصارى قطعاً، ليصنع للعالم والأمم عبر الاجيال مشهداً رائعاً لمباراة عقدية فاصلة ومتكافئة في الجزاء حول صدقية عقيدة من دونها.
إحياء لغة القرآن الكريم
مما كانت تفخر به عرب الجزيرة العربية؛ لغتها العتيدة، فكان الشعراء يعدون أنفسهم في مكة؛ العاصمة التجارية والدينية للجزيرة العربية آنذاك، الأمناء على هذه اللغة من خلال ابداعات باهرة جعلوها معلقات تبدو في ذلك الحين كأنها كلمات سحرية لما فيها من دقة التعبير، وعمق المعنى، ورهافة المشاعر، ولكن هذه المعلقات السبع انحنت مع أصحابها أمام القرآن الكريم الذي جاء بما هو أعجب وأبهر، بما يجعلنا أمام استحقاق لغوي مؤكد بأن نعود الى لغة القرآن الأصيلة في حواراتنا ومحادثاتنا، فهي ليست فقط خير وسيلة تواصل فيما بيننا، بل هي خير بوصلة لثقافتنا عندما نحدد بها المعاني والدلالات مثل مفردة “الرهاب” بمعنى الخوف الواردة في القرآن الكريم في استخدامات عدّة معظمها في الاتجاه الايجابي، فهي وسيلة لأن {ترهبون به عدو الله وعدوكم}، وهي أيضاً، وسيلة لتعزيز العلاقة بين العبد وربه من خلال: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}، وأيضاً؛ مفردة البصيرة ذات البعد المعنوي الدال على بعد الرؤية ودقتها، فالقرآن يعطي للبصر معنىً أوسع من بصيرة العين لتتجاوزه الى فهم وإدراك الكثير من القضايا في الحياة؛ {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.



