اخر الأخبارثقافية

نصوص لطفية الدليمي تعبر الحدود غير المرئية بين الأدب والفكر والتأريخ

لم تكن الكتابة عند لطفية الدليمي مجرد حرفة سردية، بل مغامرة معرفية وتمرداً على ما يفرضه الواقع من قوالب جاهزة، عبر مشروع أدبي يرى في الخيال طريقاً لفهم الذاكرة، وفي الكتابة فعلاً لمقاومة النسيان وصناعة المعنى وفق فلسفة خاصة تتجلى عبر اثنين من أهم أعمال الكاتبة الراحلة وهي كتبت نصوصها في مسيرة امتدت أكثر من نصف قرن، كما لو أنها تعبر حدوداً غير مرئية بين الأدب والفكر والتأريخ..

قدمت الدليمي عدة منجزات وأعمال، منها الروائية والقصصية والفكرية إضافة إلى مجموعة من الترجمات في الفلسفة والعلم والثقافة، غير أنه لا يمكن الاقتراب من ملامح مشروعها الذي بقي يرافقها طوال حياتها، دون اللجوء إلى سيرتها الفكرية التي تظهر بوضوح في كتابها “عصيان الوصايا: كاتبة تجوب أقاليم الكتابة”  إذ يقدم صورة أكثر قرباً من تجربتها النقدية والإبداعية التي شهدت تنوعاً كبيراً.

يلقي الكتاب الضوء على نشأتها في بغداد، واكتشافها الكتب والقراءة منذ طفولتها، إذ أخذت تنهل بسرعة من مصادر الأدب العربي والعالمي، ابتداءً من ألف ليلة وليلة، والتراث السومري، وصولاً إلى أعمال سارتر وألبير كامو وغيرهما. وتكشف ضمن هذا الجانب من سيرتها عن انتباهها المبكر للتباينات الثقافية التي تميز المحيطين بها من أفراد عائلتها، والتي تنعكس على المجتمع عموماً، إذ كانت محاطة بوالدها الماركسي وزوج خالتها المتدين، فيما يحاول كل منهما جذبها إلى أفكاره.

تبدأ لحظة الوعي من هذه التجربة، حين تدرك لطفية أنها تنجذب إلى الخيال، وأن تترك الكتب تقودها نحو شيء تريده هي ولا يريده الآخرون لها، خصوصاً حين تشعر بأن أياً من السائد حولها ليس كافياً، لأن بيئة العراق كما أخذت تقرأ عنها، احتضنت العديد من الأعراق والثقافات والامتداد الحضاري الذي رأته جديراً بالاستكشاف، وانطلاقاً من هذه المرحلة في حياتها، بدأ مشروعها الفكري يكبر متمثلاً في التمرد على الأطر التقليدية التي تحاصر المبدع، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو أيديولوجية.

تمضي الدليمي خلال الكتاب في رسم ملامح مشروعها من خلال العصيان الذي يبدأ من رفض السائد وما يفرضه من قوالب جاهزة على الكتاب الناشئين، وتنتقل إلى عالم الأدب والرواية، إذ ترى أن النص ملك لكاتبه، وأنه مشروع “يتحدى الديكارتية الصارمة، لأنه وريث للأساطير والملاحم البطولية، ومساحة لإطلاق العنان للخيال البشري.. متجاوزاً ثنائية العقل والجسد الديكارتية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى