هل تملك الدولة حق احتكار المصير؟

د. لينا الطبال
في إحدى الحكايات التي تشبه كثيرا لبنان، سأل القاضي رجلا في المحكمة:
-هل تعترف بسلطة الدولة؟
أجابه بدهشة: طبعا يا سيدي…
ضاق القاضي ذرعا بيقين الرجل، وسأله:
-وأين تراها؟ أعطني دليلا واحدا على ملمس هذه السلطة في حياتك؟
قال الرجل وهو يشير إلى النافذة أمامه:
-كلما مرّت الطائرات الإسرائيلية فوقنا.. أتذكر أنها ليست هنا.
قد تبدو هذه الحكاية ساخرة، لكنها مؤلمة كثيرا ولا تُضحك أحدا.. هذه الإجابة تعبر عن اغتراب المواطن لأنه يدرك أن الحماية والأمن، الوظيفتان الأساسيتان لأي دولة، غير موجودتين.
إنه يشعر بالدولة فقط كألم او كخيبة أمل تتجدد مع كل صوت طائرة إسرائيلية.. ويكتشف هنا غياب الدولة.
ما هي الدولة أصلا؟ إنه السؤال الذي يلاحق لبنان منذ عقود:
الدولة، في معناها الأكثر بساطة هي القدرة على الحماية والردع. فإذا سقطت هذه القدرة سقطت الدولة وبقي الهيكل البيروقراطي: مكاتب، أختام، وخطابات فارغة عن السيادة.
في لبنان، يمارس الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود عملية يمكن وصفها بـ “إخصاء سياسي” ممنهج لفكرة الدولة في لبنان. لم يكتفِ باحتلال الأرض، ولا بالقتل والقصف والخطف. لقد احتلّ أيضا قدرة الدولة على أن تكون دولة.
لكن لا فراغ يدوم الى الابد….الطبيعة نفسها تمقت الفراغ.. والسياسة كذلك.
عندما تنسحب الدولة من واجبيّ الحماية والردع.. يظهر شيء آخر مكانهما.. هنا تولد المقاومة، وتبرز كبديل غريزي.
المقاومة ليست كما يقالون بكسل، “دولة داخل الدولة”.. المقاومة هي الجواب على “حالة اللادولة”، هي القوة التي تملأ الثقب الذي تركه الجيش المكبل والقرار السياسي المرتهن.
هذا المقال ليس عن السلاح بحد ذاته، ولا عن حزب أو فصيل، ولا حتى عن لبنان.
هذا المقال عن سؤال واحد يسبق كل النقاشات: هل يحق للدولة، أي دولة، أن تَحظر مقاومة الاحتلال؟
لا نتحدث هنا عن لبنان تحديدا، ولا عن إسرائيل تحديدا، أكتب لكم عن المبدأ نفسه: هل يمكن للقانون أن يُجرم مقاومة الاحتلال؟
هذا المقال هو حول السؤال الذي يهرب منه الجميع: هل تستطيع الدولة أن تمنع حق هي أصلا عاجزة عن ممارسته؟
من الناحية القانونية الصِّرْفة، أي على الورق، نعم.
لكن من الناحية الواقعية، يصبح الجواب مختلفا تماما… كلا ألف مرة.
لا يمكن لنظام أن يأمر شعبه تكتيف يديه بينما العدو يتربص على بعد أمتار، وإلا فإن هذا يُعتبر دعوة رسمية للانتحار الجماعي.
هل قرأت جيدا؟ لا يمكن لدولة لا تحتكر القوة فعلياً أن تطلب من القوة الوحيدة القادرة على الردع أن تتخلى عن قوتها.
الدولة التي لا تستطيع حظر طائرات الاحتلال من تدنيس سمائها، لا تملك الأخلاقية السياسية لتطالب بالتخلي عن القوة التي تردع تلك الطائرات.
نعم، المسألة تصبح أقل أخلاقية وأكثر صراحة لأننا لا نستطيع بناء السيادة على الأمنيات… لا يمكنك أن تطلب من شعب يعيش تحت التهديد الدائم أن يتصرف كما لو كان يعيش في سويسرا.
حتى لا تقولوا انني متحيزة بآرائي، دعونى أطرح على المفكر الالماني “بيتر سلوترديك” السؤال نفسه.. هل تستطيع دولة أن تطلب من الناس أن يرموا مظلاتهم بينما هي نفسها لم تبنِ سقفاً فوق رؤوسهم؟
“سلوترديك” يقول إن البشر يعيشون داخل “فقاعات حماية”. الدولة هي الفقاعة الكبيرة.. المفترض أن تحمينا جميعاً.
جميل. رائع. هذه هي فحوى فلسفته السياسية.
لكن ماذا يحدث عندما تصبح هذه الفقاعة مثقوبة مثل مظلة قديمة؟ عندما تمر الطائرات فوق رؤوسنا مثل الغيوم في السماء؟… عندها يحدث شيء بسيط جدا.. بشري جدا.. غريزي جدا: الناس يصنعون لأنفسهم مظلات صغيرة.
تأتي الدولة لتقول لهم بنبرة الأستاذ:
-توقفوا فورا… المظلات ممنوعة… فقط الدولة تمتلك الحق في المظلة الكبيرة.
فيسأل المواطن – وهو ينظر إلى السماء التي تمطر : حسناً… لكن هذه المظلة الكبيرة مهترئة ولا تحمينا.
لكن الواقع أكثر قهرا. فحين تُخرق السيادة ويُقصف الوطن، لا يقرأ الناس الميثاق قبل أن يدافعوا عن أنفسهم. صحيح أن القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف يضعان حدودا واضحة لأعمال المقاومة منها التمييز، التناسب، والحماية.. هذه قواعد ضرورية، وهذا بالضبط ما يميز المقاومة عن الفوضى… هل تسمع؟
هنا تأتي المفارقة التي يعرفها الجميع ويتظاهر كثيرون بعدم رؤيتها: الشعوب الواقعة تحت الاحتلال نادرا ما تملك الطائرات التي تحيل الاتفاقيات إلى رماد فوق رؤوس المدنيين. في تأريخ الحروب، غالبا ما يكون المحتل هو أول من يمزق اتفاقيات جنيف…
أعرف أن مقالي طويل…
لكن في نهاية كل هذه الصفحات من المواثيق والمواد القانونية والمبادئ الفلسفية السياسية، أعود بكم إلى مشهد بسيط ومحرج في آنٍ واحد:
الدولة تريد إقرار النظام.
الاحتلال يريد السلام والأمن.
والنظام الدولي يعد بالعدالة… يوما ما.
لكن هناك شيء واحد بقي ثابت في تأريخ البشر، منذ أول قرية قاومت الغزاة وحتى اليوم.
كلمة واحدة فقط.. الكلمة التي تختصر كل ما تبقى للشعوب عندما تفشل الدول وتشيخ الانظمة: الكرامة.
الكلمة التي اختصرت تأريخ الشعوب عندما وجدت نفسها بين خيارين: أن تعيش بلا كرامة… أو أن تقاوم.



