اراء

كربلاء.. اتصال الكلمات

عبد الزهرة محمد الهنداوي..


ثمة صورة لا تشبهها صورة، ولا يرقى إليها مشهد في ذاكرة الإنسانية، صورة كربلاء التي بقيت على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا، حاضرة في الوجدان، متألقة في الضمير، عصية على النسيان، لم تفلح الأزمان، ولا تقلبات السياسة، ولا محاولات الطمس والتزييف، في أن تنتزعها من جذورها، أو تُطفئ ألقها، فما زالت ملحمة الطف تنبض بالحياة، لأنها لم تكن حدثا عابرا في التأريخ، بل كانت وَلاّدة دائمة للحق في مواجهة الباطل.
في كربلاء، لم يكن السيف وحده هو الذي صنع البطولة، بل كانت الكلمة شريكة الدم في صناعة الخلود، فقد أدرك الإمام الحسين (عليه السلام) أن المعركة الحقيقية ليست معركة أجساد، وإنما معركة وعي وضمير، وأن الانتصار لا يتحقق بالغلبة العسكرية، بل ببقاء المبدأ حيًّا في النفوس .
ولهذا بقيت كلماته تتردد في الآفاق، كما بقيت كلمات العقيلة زينب (عليها السلام)، شريكة الحسين في البطولة، وحاملة رسالته بعد الفاجعة(والله لن تمحو ذكرنا)، فما عجز السيف عن تحقيقه، حققته الكلمة، وما حاول الطغاة دفنه في رمال كربلاء، بعثته خطب زينب من جديد، حتى غدت الثورة قضية أمة، لا حادثة تأريخ.
وحين يشدُّ ملايين الزائرين الرحال إلى بحر العشق في أربعينية إمام العاشقين(عليه السلام)، ويقطعون آلاف الكيلومترات سيرا على الأقدام، فإن الذي يقودهم، هو نداء الكلمة، كلمة خرجت من قلب عاشق، فلامست قلوب العاشقين، وتحولت إلى رسالة إنسانية تتجذر في الوجدان، وتتجاوز حدود الزمان والمكان، وتخاطب كل من ينشد الحرية والكرامة.
وقد عبّر الأديب المصري عبد الرحمن الشرقاوي عن هذه الحقيقة ببراعة في مسرحيته الملحمية “ثأر الله” حين رسم الحوار الخالد بين الإمام الحسين (عليه السلام) ورسول السلطة، الذي حاول أن يختزل البيعة في كلمة عابرة، يمكن أن يقولها الحسين لينجو وأهله من القتل والعذاب.
لكن الحسين أجابه ببلاغة عن قيمة الكلمة…هل البيعة إلا كلمة؟ وما دين المرء سوى كلمة؟… الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور، … الكلمة مسؤولية، وإن الرجل هو الكلمة”
في هذه الكلمات تتجسد فلسفة كربلاء كلها، فالكلمة ليست صوتا يُقال ثم يضيع بين صليل السيوف، واشتباك الأسِنَّة، إنما موقف يُحاسَب عليه الإنسان أمام ضميره، وأمام التأريخ، والكلمة التي تُقال في حضرة الظلم ليست كغيرها، فقد ترفع صاحبها إلى مصافِّ الخالدين، أو تهوي به إلى درك المتخاذلين.
ولعل هذا هو السر الذي جعل كربلاء باقية، وجعل الأربعين تتجدد عاما بعد عام، فالذين يسيرون نحو الحسين لا يحيون ذكرى ماضٍ انتهى، بل يجدّدون العهد مع كلمة لم تمُتْ، ولن تموت، لأنها كُتبت بمداد الدم، ومُهرت بالتضحية، وحملتها الأجيال، جيلا بعد جيل.
إن السيف قد يصنع نصرا عابرا، أما الكلمة الصادقة فتصنع تأريخا خالدا، والسيف قد يفرض سلطانا إلى حين، أما الكلمة المؤمنة فتؤسس لضمير لا يُهزم.
وهكذا انتصرت كربلاء، لأن الكلمة فيها كانت أصدق إنباءً من السيف، ولأن الدم الذي روى ترابها ، كان مدادَ أعظم بيان للحرية والكرامة والعشق، في تأريخ الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى