لهيب الخسائر الاقتصادية يتسع.. موجة جديدة من التضخم العالمي

بقلم: يحيى الصادق..
منذ اللحظات الأولى لبدء الردّ الإيراني، بدا أنّ الكلفة الاقتصادية التي سوف تترتّب على العدوان الأمريكي الإسرائيلي لن تكون هذه المرة عابرة أو محدودة. ليس فقط بالنسبة لدول المنطقة، وإنما لدول العالم أيضاً.
فإلى جانب الخسائر الاقتصادية المتوقّعة من جرّاء أيّ اشتباك عسكري كبير في منطقة حيوية واستراتيجية كالخليج، فإنّ طول أمد الحرب، وهذا على خلاف ما تخطّط له واشنطن و”تل أبيب”، إضافة إلى طبيعة الردّ الإيراني، والذي جاء مختلفاً عمّا حدث في أعقاب الاعتداءات الإسرائيلية عام 2024 أو في عدوان حزيران الماضي، عاملان يرفعان من حجم الخسائر الاقتصادية للحرب على الجميع، ويتسبّبان أيضاً بحدوث اختلال كبير في المعروض السلعي في الأسواق العالمية، خاصة ما يتعلّق بإمدادات النفط والغاز.
والأنباء الأولية عن ارتفاع سعر مادة الغاز في الأسواق الأوروبية بنسبة 50%، توقّف صادرات الغاز المصري إلى الأردن وسوريا، اضطرار عدة دول لتقنين استهلاكها من الغاز، وغيرها من التطوّرات تؤشّر إلى ما ينتظر الأسواق العالمية خلال الفترة المقبلة.
النفط أولاً
كما كان متوقّعاً، فقد كان النفط أول القطاعات الاقتصادية المتضررة من جرّاء العدوان الحالي. بدأ هذا الضرر بداية بارتفاع طفيف طرأ على الأسعار كنوع من “التحوّط” المعتاد في أوقات الأزمات والنزاعات، ثمّ سرعان ما تصاعدت أسعاره في اليوم الثاني للعدوان مع تكدّس ناقلات النفط في مرافئ دول الخليج نتيجة ارتفاع مستوى مخاطر عبور مضيق هرمز، ولا سيما بعد تعرّض ثلاث ناقلات لهجوم مباشر وإصابة بعضها.
وبحسب معلومات فإنّ عدد الناقلات المحمّلة بالنفط والمتوقّفة في موانئ الخليج وصل خلال اليومين الأولين للعدوان إلى أكثر من 100 ناقلة. ويتوقّع خبراء النفط أن ترتفع أسعار النفط لتوريدات لتصل إلى نحو 100، هذا في حال لم يحدث تصعيد أكبر كتعرّض منشآت نفطية أو الناقلات في الموانئ للتدمير الجزئي أو الكلي.
ووفق مؤشرات الأيام الأولى للعدوان، فإنّ الأضرار لن تكون حكراً فقط على الدول المستوردة لنفط أو غاز المنطقة، التي ستكون مضطرة للبحث عن مصادر جديدة لتأمين احتياجاتها، فالنقص المتوقّع في إمدادات السوق العالمية سيترك أثره السلبي على الأسعار العالمية، وسواء تمكّنت الدول المنتجة من تعويض ذلك النقص أو عوّضت جزءاً منه، والنتيجة حدوث مزيد من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
ومع أنّ وزير الخارجية الإيراني أكد في تصريحات صحفية بداية العدوان أنه لا نية لطهران حالياً بإغلاق مضيق هرمز، إلا أنّ الإبلاغ عن تعرّض عدة ناقلات تجارية للاستهداف المباشر أو غير المباشر، ومن ثمّ إعلان مستشار رئيس حرس الثورة عن إغلاق المضيق من شأنه أن يرفع من مستوى المخاطر، وهذا ستكون له انعكاسات سلبية ليس فقط على أسعار النفط في البورصات والأسواق العالمية، وإنما على أجور النقل وبدلات التأمين وعلاوات المخاطر، والتي تؤكّد بيانات المؤسسات الدولية أنها زادت فعلاً، حيث ارتفعت أجور النقل بنحو 50% وبدلات التأمين بنحو 25%، وبذلك تكون الأسواق العالمية قد دخلت بالفعل في خضمّ موجة جديدة من التضخّم، لا يعرف حدودها ومستواها ما لم تتبلور تطوّرات مجريات الحرب الجارية حالياً ومددها الزمنية.
والأمر لا يتعلق فقط بمضيق هرمز، إذ إنّ حركة النقل عبر البحر الأحمر تأثّرت هي الأخرى في ضوء إعلان حركة أنصار الله استئناف استهداف السفن الأميركية والإسرائيلية، وما ترتّب على ذلك من مخاوف أطلقتها كبرى شركات النقل البحري العالمية، محذرة السفن من استخدام الممرات المائية القريبة من دائرة الحرب.
المطارات والسياحة
شكّل استهداف القوات الإيرانية للقواعد الأميركية المنتشرة في دول الخليج تطوّراً إضافياً زاد من حجم الخسائر الاقتصادية وتوزّعها القطاعي لتشمل حركة الطيران والسفر والسياحة، بحيث لم تعد طهران وحدها المجبرة على إغلاق مجالها الجوي. فالعديد من دول المنطقة، ولا سيما بعض دول الخليج، اضطرت إلى وقف أو تقييد حركة مطاراتها، فيما علّقت كبريات شركات الطيران العالمية رحلاتها إلى المنطقة، وهو ما نجم عنه خسارات كبيرة لشركات الطيران وخدمات المطارات ولعموم المنشآت السياحية.
وتظهر بيانات وصور مواقع تتبّع حركة الطائرات على شبكة الإنترنت انحساراً واضحاً لعدد الطائرات المتجهة من ونحو منطقة الخليج. ويتوقّع أن يزداد ثقل هذه الخسارات مع إلغاء الحجوزات السياحية خلال الفترة المقبلة، ولا سيما مع قرب حلول عيد الفطر، وهذا سوف يحدث حتى لو توقّفت الحرب خلال الأيام القليلة المقبلة، فآثارها لن تُمحى بسهولة.
وهذا يعني أنّ مستقبل الاستثمارات في المنطقة سيبقى رهناً بمآلات الحرب على إيران خلال الفترة المقبلة، فطول أمد الحرب وعدم التوصّل إلى تسوية دائمة من شأنه أن يرفع من مستوى المخاطر الاستثمارية في المنطقة، ويخفض عملياً من تصنيفها الائتماني العامّ، وإن كان ذلك قد يحدث لفترة مؤقتة، إلا أنه غالباً سوف يدفع بعض المستثمرين العالميين للتريث والانتظار. وإذا ذهبت الأمور نحو تسوية دبلوماسية قابلة للاستمرار، فإنّ الضرر الاستثماري سيكون في أدنى درجاته أو توقّعاته.



