اراء

لعنة بنت جبيل

بقلم/ د. ادريس هاني..

هدنة ثم مذبحة فهدنة فمذابح، والحبل على الجرار. والثابت في المعادلة، هو أن لا شيء سيوقف العدوان ما لم ينتقل الوجع إلى بيته الداخلي. ولا شيء بعد ذلك سيرضي السادة والعبيد من أمر المقاومة، فقبل شهور، كان هناك خطاب موحد: إيران تخلت عن “أذرعها”، ووجب هنا إحالة المصطلحات التضليلية إلى معجم محايد، أي يريدون القول: لقد تخلت إيران عن حلفائها، حينئذ نتذكر كيف وكم ذرفت دموع التماسيح على لبنان، لكن حين تضع طهران في مقدمة شروطها التفاوضية وقف إطلاق النار على لبنان، وتجعل هرمز ورقة مقابل وقف العدوان على لبنان، سيتشقلب الموقف، وستخرج أوزاغ المغالطة لتتحدث عن السيادة. كل شيء هنا -أطروحة ونقيضها- لن تلقى هناك تقديرا، فلقد ركز الوزغ بين السلة والذلة، فما كان تقديرا استراتيجيا، اعتبره الخونة خيانة في عملية إسقاط رعناء، وما كان وفاء سيعتبر في نظر عبيد المنزل انتهاكات للسيادة.

ومع ذلك وجب الاعتراف بأن هذه الهدنة، ليست منة خيرية من احتلال احترف الإبادة، ولا هي صدقة من قوى ولغت في صحن إبليس، بل هي نتيجة صمود وتحدٍ، فالمقاومة أطاحت بحظ الاحتلال وكبدته خسائر فادحة، ولكن مازال شمشون يؤكد بأن المهمة لم تنتهِ، ثم يوزعون الأدوار في مسرحية اسمها قرار الهدنة نزولا عند رغبة صانع “سلام الحروب”.

هناك عجيبة، بل لعلها أم العجائب، تلك التي تتعلق بإصرار البعض على تجاهل المطالب التحررية المشروعة للمقاومة، كان أحرى بمن طال لسانه ضد المحور، أن لا يكلف نفسه رهق التكويع، ويكتفي بالفرجة. فإنجازات المقاومة تؤلمهم، والكراهية والبهتان هو الرأسمال الوحيد لمن “طاح” حظهم في هذه النازلة.

وفي لبنان تحديدا، حيث للسياسة نكهة كيدية استثنائية وطعم المرارة، نشهد ذروة المفارقة: شعب صامد ومقاومة تضحي وطبقة سياسية بلا إحساس، وقد دخل لبنان تحت دائرة التضليل الإعلامي منذ ان تم تجريم وشيطنة مقاومته الوطنية، وكأنها بدع في تأريخ الكفاح الوطني. وتحت طائلة هذا التضليل، تمت محاولة عزلها وطنيا وإقليمية ودوليا، ولكنها صمدت بقوة بيئتها التي تتعرّض اليوم للتدمير والانتقام، وبقوة الإرادة وتأريخ المنطقة الحافل بالمنازلة. لا يمكن عزل الكرامة من تأريخ محكوم بمعادلة الصراع؛ هذه “عاملة”، جبل العلم والشهادة، بلد الشهيد الأول ابن مكي الجزيني والشهيد الثاني زين الدين الجباعي، قبل ميلاد هرتزل وفكرة الدولة المستحيلة.

لم يهضم الاحتلال هزيمته في عام 2000، ولا في حرب 2006، هذا بينما أدركت المقاومة، رغم كل أشكال الضغط الملون، بأن أي اتفاق أو هدنة مع الاحتلال لن ينهي مسلسل العدوان؛ وهذا الذي حصل بالفعل.

وكان خصوم حركة التحرر الوطني في لبنان قد فرحوا بالخراب الذي تعرّض له لبنان، أكثر حتى من الاحتلال، حيث استمر القصف جنوباً وبقاعاً وصولا إلى بيروت، لم تعد هناك منطقة مدنية محرمة على العدوان. لقد منحت المقاومة -وهي المثخنة بالجراح- الطبقة السياسية، فرصة بل اختباراً لتدبير الأزمة جنوب الليطاني. وفي تلك الأثناء التي كان الاحتلال يواصل فيه قصف المدنيين وتهجير الساكنة، احتفل الاحتلال وحلفاؤه بنهاية نبض المقاومة وتغنوا بانتصار بليد على المقاومة التي تخوض حرباً غير متكافئة. ولم يدركوا حينها حساب الاحتمالات، حيث سرعان ما انبعثت المقاومة من تحت الأرض، ورسمت مشاهد بطولية خارقة، فبهت الذي كفر. حاول الاحتلال الثأر من الجغرافيا، فسعى للدخول إلى بنت جبيل، عاصمة المقاومة التي مازال صدى كلمات التحرير تحتفظ بها المرتفعات والوديان لتؤكد مرة أخرى بأن الاحتلال في ذروة جنوحه الإجرامي هو أوهن من بيت العنكبوت.

وقد عبّر ناطق بهلواني باسم جيش الاحتلال، بما فيه الكفاية عن هذا الاحتقان، معلناً نصراً مستعجلاً على المقاومة في بنت جبيل، ممجداً في بطولة جيش نخبة الجبن، وصانعاً من “سيلفيي” مع سلحفاء مشهداً لمحبة السلام، في استغباء سافر للرأي العام، بينما مازالت أنيابهم تقطر من دماء الأطفال. وهناك ناطق حرفوش متخصص في التهريج وتقطير الشمع وخوض حرب نفسية غير مقنعة، وكان أولى لهذا الصرصور الجبان أن يتقدم هذه الفرق نحو جبهة الاشتباك في نقطة الصفر، كي يتعلم معنى المواجهة بدل وصلاته البهلوانية.

لقد عودتهم المقاومة على أنها تخرج كطائر الفينيق من تحت الرماد، وستظل كذلك حتى تكون شاهداً على تفكك كيان بات خطراً على السلم العالمي، ولن يقر قرار المنطقة مع وجود كيان عنصري توسعي.

ومع ذلك، لن ينتظر الخونة من الاحتلال، على فرض إبادة الأمة بأسرها، أن يكافئهم إلا بمهنة ناتور في وطن سليب. إن خصوم المقاومة في الداخل هم أهبل بني البشر.

لنتذكر بأن للمقاومة تأريخا أعرق من تأريخ الاحتلال، هو تأريخ الكرامة نفسها. ما يتجاهله تيار الهزيمة هو أن المقاومة فكرة وموقف يولد من رحم كرامة الشعوب التواقة للحرية والاستقلال، هي الغضب الساطع حين يستكبر الاحتلال ويطغى، هي الاستجابة الطبيعية للهيمنة، لقد تحولت بنت جبيل إلى مستنقع للإطاحة بقوة النخبة، وسيكتب التأريخ أن جنون المقاومة أيضا هو الاستجابة المنطقية لتحدي جنون الغطرسة، ففي عالم فقد المعايير، وجب أن تختار وجهة جنونك.

ستذكر بنت جبيل مرة أخرى الاحتلال بأنه عند كل عدوان يؤكد بأنه بيت عنكبوت، كما ستؤكد بأن التذاكي بـ”السياسوية” على المقاومة، ليس إلا ضرباً من المفارقة التأريخية. وعلى الرغم من عنف الخيانة وقبح الطعان وجبن التشنيع، فإن مكر التأريخ كفيل بقلب الصورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى