الإمام الحسن بذكرى مولده.. البطولة في الحرب والسلم

محمد علي جواد تقي
“إنك تعلم أني أحقّ بهذا الأمر -الخلافة- منك عند الله، وعند كل أواب حفيظ، ومن له قلب منيب، واتقِ الله، ودعْ البغي، واحقنْ دماء المسلمين، فو الله ما لك من خير، في أن تلقى الله من دمائهم، بأكثر مما أنت لاقيه به، فادخلْ في السلم والطاعة، ولا تنازعْ الأمر أهله، ومن هو أحقّ به منك”.. من رسالة للإمام الحسن المجتبى “عليه السلام” الى معاوية.
حمل الرسالة الإلهية الى البشرية يحتاج الى قدر كبير من الشجاعة والإقدام، لأن في المسألة فعلاً ورد فعل، فالإنسان؛ هذا المخلوق المعقد، يتصف بالعناد، والمراء، والكفر؛ في معناه اللفظي والاصطلاحي – الحقيقة – فلا يتقبل النصيحة والتذكير بسهولة، وإن صاحبته المعاجز والبراهين الملموسة على صدق دعوة المرسلين من السماء، وقد تجسّد هذا في سيرة الأنبياء والمرسلين، ويحدثنا القرآن الكريم كيف كان الأنبياء يبلغون رسالة التوحيد، ويطرحون أفكارهم الحضارية بكل قوة وشجاعة، باذلين في هذا الطريق حياتهم وأنفسهم وأموالهم.
الإمام الحسن المجتبى “عليه السلام”، وهو أول سبط لرسول الله، يعد امتداداً لمسيرة الأنبياء ودورهم الرسالي بين البشرية، تعلّم البطولة والشجاعة والإقدام من جدّه المصطفى، ومن أبيه علي المرتضى، منذ نعومة أظفاره، على قول الحق، ومقارعة الباطل بكل قوة وبسالة، وفي مختلف الظروف.
رواية تنقلها مصادر عدّة من الشيعة والسنة تؤكد شجاعة هذا الإمام العظيم وهو في صغر سنّه، فقد حصل أن دخل الإمام الحسن المجتبى مسجد رسول الله “صلى الله عليه وآله”، بعد فترة وجيزة من وفاة جدّه المصطفى، ووجد أبا بكر يخطب على المنبر النبي، فثارت ثائرته من هذا المنظر وصاح به قائلاً: “انْزِلْ عَنْ مَجْلِسِ أَبِي فَقَالَ: صَدَقْتَ إِنَّهُ مَجْلِسُ أَبِيكَ”، وقد أدرك الرجل فوراً، أن الإمام يقصد بـ”أبي”، رسول الله “صلى الله عليه وآله”، ولهذا الموقف دلالة ثانية كشفها الإمام لجموع المسلمين بأنه ابن رسول الله، وانه، وأخاه الحسين “عليهما السلام”، الامتداد الطبيعي له، “صلى الله عليه وآله”، وعليه ان خلافته وقيادة الأمة شأنهم لا شأن غيرهم.
القائد السياسي الشجاع
بدايةً؛ لا بدّّ من التأكيد على حقيقة، أن الإمام الحسن المجتبى، كان أول إمام في سلسلة الأئمة المعصومين، حمل هذه الصفة بعد أبيه أمير المؤمنين الذي لم يكن بحاجة لإظهار هذه الصفة المتجسدة فيه أساساً، ولم تحتاجها الظروف الاجتماعية والسياسية في عهده، إنما كانت الحاجة ماسّة جداً بعد استشهاده، “عليه السلام”، وانتشار حالة الجُبن والخذلان بين المسلمين في عهد الإمام الحسن، الى مستوى الخيانة والتخلّي عن بيعة الإمام مقابل حفنة دراهم من معاوية.
ومنذ الأيام الأولى من استشهاد أمير المؤمنين، واستخلافه وانتخابه قائداً سياسياً للأمة، أعلن الإمام الحسن اجراءاته العسكرية الفورية بالتحشيد لمواجهة جيش معاوية، وحسب المصادر فمن جملة اجراءاته؛ زيادة رواتب الجنود الى الضعف، كما فعل أبوه أمير المؤمنين من قبل، لإلقاء الحجة عليهم بعدم التململ والتبرّم بقلّة المال وتعرّض عوائلهم للضائقة المعيشية، مع علمه اليقيني بما يخفوه من جُبن ونفاق وكذب، وغير مؤمنين حقاً بإمامته وحقانيته كإمام معصوم ومفترض الطاعة كما أوصاهم رسول الله بأن “الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا”، وقد تجسد الولاء الشكلي والقشري لدى الغالبية العظمى منذ أول لحظات المبايعة عندما طالبهم الإمام الحسن بمبايعته على الطاعة، بينما طالبوه بالمبايعة على أن يقاتل معاوية! وهو ما رفضه الإمام، فذهبوا الى أخيه الإمام الحسين الذي رفض فكرتهم بشكل قاطع، فجاءت المبايعة كُرهاً من أناس كانوا يشكلون الجيش الاسلامي -الرسمي- وهو مرهون بولاءات قبلية، وأخرى ايديولوجية متمثلين بالخوارج، وآخرين أصحاب أطماع ومصالح مادية، كل هؤلاء عجزوا أمام أنفسهم الضعيفة للوفاء بما وعدوا بأن يقاتلوا معاوية لما انطوت عليه أنفسهم من الخوف والجبن وهشاشة الأنفس أمام المغريات.
لا أجدني بحاجة الى سرد وقائع الخذلان والهزيمة الداخلية في جيش الإمام الحسن قبل أية مواجهة عسكرية، إنما المطلوب هنا التأكيد على أن الإمام الحسن “عليه السلام”، كان الوحيد مع الثلّة المخلصة من أهل بيته وأصحابه، رجال حرب للدفاع عن أنفسهم وعن كيان الأمة والإسلام أمام الفئة الباغية، بينما خيّم الجُبن والخوف على الآلاف من دعاة الإسلام والإيمان، حتى تسبب هذا بهزيمة منكرة لهم وليس للإمام الحسن وأهل بيته، عندما أفسحوا المجال ليتأمر عليهم معاوية من خلال وثيقة الهدنة (الصلح) ويقرع أسماعهم بقوله: “ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا، وإنما قاتلتكم لأتآمر عليكم”.
كان “عليه السلام”، شجاعاً ومقداماً في ساحة الحرب، وبنفس الشجاعة والإقدام كان في ساحة التفاوض لحقن دماء المسلمين، ونقرأ في التأريخ مواقف اللوم له “عليه السلام”، لأنه هادن معاوية وسلّم أمر الحكم له، بمعنى لو كان أحد هؤلاء اللوامين من دعاة الحرص على مصلحة الاسلام والمسلمين، مكان الإمام في منصب القيادة لانهار نفسياً وهو يشهد هروب القادة والجنود خلف أموال معاوية، ويشن حرباً انتحارية يبيد بها كل شيء ليلبي غروره ويغطي على مشاعر النقص والخوف الداخلي.
هذه الشجاعة هي التي كشفت للرأي العام حقيقة معاوية وكذب ادعاءاته بأنه الخيار الأفضل لقيادة الأمة، وهو الادعاء الذي ما يزال الكثير يعتقد به حتى اليوم، بينما أهل العقل والحكمة يعرفون أن معاوية انهزم سياسياً وأخلاقياً أمام الإمام الحسن، عندما نكث بكل البنود الواردة في وثيقة الهدنة، ومنها؛ إلغاء سب أمير المؤمنين على المنابر، وعدم ملاحقة شيعة أهل البيت، “عليهم السلام”، وأن تكون الخلافة من بعده الى أخيه الإمام الحسين “عليه السلام”، وقالها بالفم المليان أمام جموع أهل العراق بأن “كل كتبته مع الحسن تحت قدمي”، وبهذا فقد غيّر معيار الشرعية السياسية له من الدين والأخلاق، الى العنف والسيف.
بطل السلام
درس كبير يعطينا إياه الإمام الحسن المجتبى “عليه السلام”، ونحن نحتفي بذكرى مولده السعيد هذه الأيام، وهو أن البطولة لا تكون في ساحة الحرب والقتال وعرض العضلات فقط، وإنما في أجواء السلام أيضاً، بل تكون البطولة في صنع هذا السلام، وهو ما فعله بنجاح باهر بفضل المنهجية الحضارية لأهل بيت رسول الله، “صلوات الله عليهم أجمعين”، بدءاً من رسول الله نفسه، وحتى أمير المؤمنين، كانوا جميعاً يؤكدون على طول الخط أنهم ليسوا دعاة حرب وقتال، كما هي سيرة أهل الجاهلية الذين كانوا يقتاتون على فتات الغنائم من حروبهم وغزواتهم العدوانية المتبادلة فيما بينهم، بينما الإسلام يحمل رسالة السلام والأمن والاستقرار في جميع نواحي الحياة، يبقى خيار حمل السلاح للدفاع عن النفس أمام المعارضين لحكم الله، ورسالته الرحمانية للبشرية.
والقرآن الكريم يبين هذه المعادلة بشكل واضح في عديد آياته التي تتحدث عن الصراع بين الحق والباطل، منها الآية الكريمة من سورة البقرة: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، والآية الأخرى من سورة النساء والتي تحدد معايير الحرب والسلام برؤية حضارية: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}.
وفي وصيته لابنه الإمام الحسن، يوصي أمير المؤمنين بأن “بُني؛ لا تدعوَنّ للمبارزة، فإن دُعيت فأجب، فان الباغي يُخصم”، وهذه الوصية جاءت بعد عودة أمير المؤمنين من حرب صفين الى الكوفة، وبها يرسم استراتيجية التزم بها ابنه الإمام الحسن فيما بعد، وأيضاً سائر الأئمة المعصومين من بعده بأنهم دعاة سلام في ظروف السلم والاستقرار، ولكنهم أبطال الحرب والقتال في ظروف الدفاع والمقاومة أمام البغاة والمعتدين.



