ليل البنفسج.. تماسك المشهد وتوهج الأداء

أحمد عبدالله..
ليل البنفسج ليس مجرد مسلسل، بل نافذة أمل أعاد فتحها المخرج علي فاضل، حيث تماسك المشهد وتوهج الأداء، فشعرنا أن الدراما العراقية قادرة على أن تستعيد روحها المفقودة. هنا، الممثلون لا يتكلمون فقط، بل يخلقون حياة كاملة، ويجعلون من الشاشة ساحة صدق وذاكرة. عمل متخم بالتفاصيل الباذخة التي لم يغفل عنها صُناعه؛ حتى بدا لي أن الذين أمامي ليسوا ممثلين على شاشة، بل جيراني الذين أعرف وجوههم وأصواتهم. ثم أبناء الطفولة الذين نراهم ونعيش معهم. ووقحاء منطقتي الذين يملأون المشهد بجرأتهم وملامحهم الصاخبة. أما شيوخها الموقرون، فقد أضفوا على الصورة وقاراً وعمقاً، فصار المشهد امتداداً لذاكرتي الجمعية ووجدان الجماعة، لا مجرد تمثيل عابر، بل استعادة لروح المكان وحرارة الناس.
في المقابل، كان الانحدار عميقاً ومؤلماً. فقاسم الملاك جرد الدراما من جوهرها، فأفرغ الدور من معناه ليقدم لنا قشرة كارتونية بلا روح. ومن المؤسف أن شريحة واسعة من الممثلين العراقيين ساهمت بتكريس هذا الفراغ، حين اكتفت بالظهور بلا تأريخ ولا رصيد، وكأن البطولة تُمنح بالصدفة لا بالموهبة. فتحولت الشاشة إلى مسرح للفراغ، لا للدراما.
لذلك كنت قد غادرت الدراما العراقية يومها بلا رجعة، رافضاً أن أكون شاهداً على مشهد يكرس الرداءة. ومنذ ذلك الحين، تنقلت بين الدراما المصرية والسورية واللبنانية، أبحث عن الصدق الفني والعمق الإنساني الذي غاب عن شاشتنا، وأتلمس في تجارب الآخرين ما افتقدناه هنا من روح وحياة.
واليوم، مع ،ليل البنفسج ، أعود لأقول: الدراما ليست ترفاً، بل ذاكرة شعب، ومن يفرغها من معناها يرتكب خيانة ثقافية. فشابو لعلي فاضل، مخرج العمل، ولكل من شارك في صنع هذا الإنجاز؛ فقد أعادوا للدراما العراقية صدقها المفقود، وأثبتوا أن الإبداع لا يزال قادراً على اختراق جدار الرداءة وإحياء الذاكرة.



