اخر الأخبارثقافية

السمبوزيوم الأول للرسم الحر.. بغداد ترسم نبضها بالفرشاة

المراقب العراقي/ أميرة ناجي..

في لحظات نادرة، يتجاوز الفن حدود العرض التقليدي، ليصبح فعلاً حياً يعيد تشكيل العلاقة بين الفنان والمكان والذاكرة الجمعية، هكذا بدا السمبوزيوم الأول للرسم الحر الذي احتضنته جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في مقرها العام ببغداد، حيث تحولت القاعة إلى فضاء مفتوح للحوار البصري والتجريب الإبداعي وإلى ورشة إنسانية نابضة بالحياة تجمع صُنّاع الجمال تحت سقف واحد.

شارك في السمبوزيوم نحو عشرين فناناً وفنانة قدموا تجارب متنوعة كشفت عن تعددية الأساليب والرؤى من الاشتغالات التعبيرية إلى المقاربات التجريدية والبحث المعاصر في بنية اللون والسطح التشكيلي وقد أتاح الرسم الحر مساحة نادرة للتحرر من القيود المسبقة فغدت اللوحة لحظة اكتشاف لا نتيجة نهائية ومساراً مفتوحاً لتجريب الفكرة وهي تتشكل أمام المتلقي، لم يكن السمبوزيوم مجرد فعالية فنية عابرة بل تجربة جماعية أعادت الاعتبار لفكرة العمل الفني كحدث زمني يتكوّن عبر المشاركة والتفاعل، فالحضور لم يقتصر على مشاهدة النتاج النهائي بل شهد ولادة العمل لحظة بلحظة، الأمر الذي عزز الإحساس بأن الإبداع عملية حية تتنفس داخل المكان وتتشكل عبر الحوار بين الفنانين أنفسهم وبينهم وبين الجمهور.

وقد حملت المبادرة بعداً إنسانياً واضحاً تجلّى في الدور الكبير للفنان القدير سعد العاني الذي احتضن السمبوزيوم بروح الأب الحنون وكان حضوره أكثر من إشراف تنظيمي بل طاقة معنوية خلقت مناخاً من الألفة والتشجيع والتبادل المعرفي وقد تميّز أسلوبه بالمرونة والانفتاح على جميع التجارب، مما أتاح لكل مشارك فرصة التعبير بحرية وإحساس بالانتماء إلى تجربة مشتركة تتجاوز الفردية نحو روح جماعية خلاقة.

اختيار نخبة الفنانين المشاركين لم يكن عشوائياً بل جاء ليعكس تنوع المشهد التشكيلي العراقي وتقاطعات أجياله المختلفة، حيث التقت الخبرة مع التجريب والتجارب الراسخة مع الحس المعاصر في حوار بصري كشف عن حيوية المشهد وقدرة الفن العراقي على التجدد المستمر، فكل لوحة وكل تجربة كانت شاهداً على قدرة الفن على خلق لغة مشتركة تجمع بين الأثر واللحظة.

لقد حول السمبوزيوم مفهوم اللوحة التقليدي إلى تجربة جماعية حية، فالعمل لم يعد لحظة ثابتة بل عملية متغيرة تتشكل مع تفاعل الفنانين والجمهور مع تدفق الأفكار والألوان لتصبح اللوحة حدثاً حياً يشارك فيه الجميع ويعكس روح التعاون والإبداع الجماعي.

ومن أبرز ما ميّز هذا الحدث كرم الضيافة وحسن التنظيم الذي وفر مناخاً مريحاً يسمح لكل فنان بالعمل والانغماس في تجربته، كما أبرز السمبوزيوم قدرة بغداد على إنتاج الجمال وصناعة الأمل عبر فنانيها وروح التعاون والحنان التي أضافوها فيما بينهم.

إن السمبوزيوم الأول للرسم الحر لم يكن مجرد تجمع فني بل تجربة تأسيسية تحمل وعداً باستمرار تقاليد السمبوزيومات الفنية مختبراً للإبداع وذاكرة حية للمشهد التشكيلي العراقي، حيث يظل الفن فعلاً إنسانياً قادراً على جمع القلوب قبل أن يجمع الألوان فوق سطح اللوحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى