في ذكرى وفاة السيدة خديجة.. المرأة التي وهبت قوتها لزوجها

محمد علي جواد تقي..
“ما قام الإسلام إلا على مال خديجة وسيف علي”.. رسول الله (صلى الله عليه وآله).
في كل عام من شهر رمضان المبارك، عندما تحين ذكرى وفاة السيدة خديجة، أم المؤمنين، “سلام الله عليها”، أطلق القلم لتحرير أفكار وتأملات عن هذه الشخصية العظيمة، وأتذكر فوراً الباحثين عن المرأة القوية، وكيف يجب أن تكون؟ وأين تكمن عوامل هذه القوة؟.
خديجة بنت خويلد؛ هذه المرأة القرشية التي عاشت قبل أكثر من 1447 سنة، حازت معظم عناصر القوة التي تحلم بها كل امرأة، فقد كانت لها الوجاهة الاجتماعية، والثراء، والنسب الرفيع، ثم احتفظت بكل عناصر القوة هذه لسنوات طوال تجاوزت سِني شبابها ونضارتها وجمالها حتى شارفت على الأربعين، ليقع اختيارها على الرجل الذي تؤمن أنه يمنحها القوة الحقيقية بعد أن تهبه ما تملك، فكان هذا الرجل؛ محمداً بن عبد الله، ذلك الشاب الهاشمي الصغير المعروف بفقره بين المجتمع المكّي القائم آنذاك على دعامتين للقوة: السيف والمال، وكانا بيد بني أمية والمشركين بشكل عام في مكة.
قبلت خديجة الزواج بمحمد بن عبد الله، كما قبلت بفقره ويتمه، بعد أن رفضت الاقتران بالأغنياء والأقوياء من أصحاب النفوذ في المجتمع المكّي، بيد أنها ربحت قوة الشخصية الأخلاقية والاجتماعية لدى هذا الشاب الذي كان المجتمع الجاهلي نفسه يسميه بـ “الصادق الأمين”، واستمرت حياتها الزوجية على هذه الشاكلة نحو خمس عشرة سنة حتى بُعث زوجها نبياً ورسولاً من رب العالمين، على قول عمر النبي الأكرم يوم زواجه، خمس وعشرين سنة، ولم يتحدث لنا التأريخ عن شائبة عكرت صفو هذه الحياة المفعمة بالإيمان والمودة والرحمة.
آزرت زوجها وهو يتعبّد في أعالي جبال مكة، يختلي بنفسه في كل شهر رمضان، فيتركها وحيدة في البيت ويقيم في غار حراء، وكانت تأتي له بالطعام طوال الوقت، مع علمها أنه كان موحداً، ولم يكن مثل سائر الناس يعبدون الأوثان. إن رضاها بهذا الواقع كان إيماناً منها بشخصيته القيادية بعلائمها الواضحة من الأيام الأولى لزواجها عندما كان يعرب عن تبرمه وأسفه لما عليه الناس من حياة الجهل والظلم والعبودية وضنك العيش بسبب الشرك بالله، والانحراف عن قيم الحق، مما كان يدفعه للبحث عن سبل النجاة في تأملاته الطويلة نحو السماء في ليالي العبادة الرمضانية آنذاك، ولعل اختيار الرسول الأكرم شهر رمضان للتعبّد له دلالته الواضحة في عمق معرفته ونفاذ بصيرته.
استقبلت نبأ نزول الوحي عليه واصطفائه من الله بالرسالة الخاتمة والنبوة بفرح غامر، متجاهلة خطورة العواقب وسط مجتمع يعد التنكّر لعبادة الأصنام والحديث عن التوحيد، جريمة يعاقب عليها بأبشع الأساليب، فلم تكن لتأبه بالجو السائد، ولا لكلام الناس عندما أعلنت إسلامها كأول شخص وأول امرأة في ذلك اليوم، وكانت تخرج مع زوجها إلى الكعبة لتقف خلفه للصلاة، وإلى جانبها علي بن أبي طالب، وهو أول مسلم من الرجال.
وظفت كل أموالها في خدمة الرسالة على مدى عشر سنوات من مواكبتها مسيرة زوجها رسول الله في نشر الدعوة إلى التوحيد، ومساعدته على أداء دوره الحضاري العظيم لنشر الإسلام إلى الآفاق، وليكون اليوم أكثر الأديان انتشاراً في العالم. يؤسفني ألا أجد بين طيات المصادر التأريخية ما يشير إلى موارد إنفاق السيدة خديجة لأموالها في سبيل إقامة الدين ونصرة الإسلام، وهل كان لعتق العبيد بعد إعلان إسلامهم، أم لتغطية نفقات عيش المسلمين المهددين من قبل المشركين بعد إعلان إسلامهم، أو من تعرضوا لمختلف الضغوطات والتهديدات من المشركين، ربما يكون القصور منّي لعدم تتبع المصادر في هذا الشأن، أو ربما يكون القصور في المصادر التأريخية نفسها التي طالما غيبت الكثير من سيرة حياة هذه السيدة العظيمة فيما برّزت وعظمت ما لم يفعله آخرون، تشبثوا عنوة برسول الله طمعاً باسم يذكر لهم في التأريخ، بل محاولة منهم لمحو ما علاهم من الشوائب في شخصياتهم وعقيدتهم الحقيقية.
تعرضت خديجة لمقاطعة مؤلمة من نساء قريش وهي تنتظر ولادة ابنتها فاطمة في الأيام الأخيرة من الحمل، والسبب أنها لم تأخذ بمشورتهنّ بالزواج من أقاربهنّ من أثرياء ووجهاء القوم وعبدة الأوثان، فبقيت متحيرة ماذا تصنع لوحدها، وليس من امرأة تليها للولادة مثل أية امرأة أخرى في العالم، وبينا هي كذلك إذ مزّقت الحيرة مفاجأة سماوية جسدت مكافأة سريعة في الدنيا لما بذلته في سبيل الله، “إذ دخلت بيتها أربع نسوة، ظنت أنهنّ من نساء بني هاشم، لكن كنّ على شاكلة أخرى، فدخل الفزع نفسها، فقالت إحداهنّ: لا تحزني يا خديجة، فإنا رسل ربك إليك، ونحن أخواتك؛ أنا سارة زوجة نبي الله إبراهيم، وهذه آسية بنت مزاحم، وهذه مريم بنت عمران، وهذه صفراء بنت نبي الله شعيب، بعثنا الله إليك لنلي من أمرك ما تلي النساء من النساء، فجلست واحدة عن يمينها، وأخرى عن شمالها، والثالثة بين يديها، والرابعة خلفها، فوضعت خديجة فاطمة طاهرة مطهرة”.
المقاطعة الثانية التي شهدتها خديجة كانت في شعب أبي طالب، فتلك كانت مقاطعة النساء، وهذه المرة مقاطعة دبرها من يسمون أنفسهم بـ “رجال قريش” بعد أن أعيتهم الحِيل لمحاربة النبي ومحاولة كسر شوكته بالتشكيك والتكذيب والاتهام والسخرية، وحتى التعذيب الجسدي له وللمؤمنين، فرأوا أن يفرضوا عليه حصاراً اقتصادياً علّه يستسلم ويتخلّى عن دعوته إلى التوحيد بعد أن ينال منه الجوع، وقد استمر الحصار عامين لاقى فيه المسلمون ضغوطاً نفسية وبدنية قاسية بسبب حرمان الناس لهم من أي نوع من الغذاء، إلا القليل مما كان يدخل خلسة على يد المتعاطفين، وكاد الناس أن يهلكوا لاسيما الأطفال، وكان أول من تأثر بهذا الحصار؛ عمّه أبو طالب الذي قضى نحبه بسبب شدة المرض ومضاعفات قلة الغذاء، كما مضت السيدة خديجة إلى ربها لنفس السبب في وقت متقارب حسب اختلاف الروايات في مثل هذه الأيام من شهر رمضان المبارك.
كان رسول الله على موعد مع حزن مزدوج وثقيل على قلبه، وهو في شعب أبي طالب يتعرض لحصار ظالم، ففي وقت متقارب من عام واحد فقد الكافل والمساند والدرع الحصين أمام تهديدات المشركين، كما فقد المساند العاطفي والنفسي، “فعندما كان يعود إلى بيته مثقلاً بالهموم والآلام النفسية مما يراه من واقع فاسد وضلالة الناس عن جادة الصواب، كانت زوجته خديجة تستقبله بقلبها وبشاشتها لتهون عليه الشدائد، فيرى فيها الزوجة التي تشاركه المصائب والآلام، ولم تتزعزع لحظة واحدة، بل بذلت له ثراءها الواسع لإنجاح دعوته” (سيرة المصطفى- السيد هاشم معروف الحسني).. لذا أطلق رسول الله على هذا العام؛ عام الحزن.
هذا الفقدان المؤلم جعل النبي يرخي عيونه للدموع وهو يجلس إلى جوار جثمانها الطاهر، وقد أبكى من حوله، وكيف لا، وهو يفقد نموذجاً لامرأة لن تتكرر في حياته أبداً، كما أعلنها صراحة لعائشة وهو في المدينة بعد أن لامته لكثرة استذكاره لها بأن “ما أبدلني الله -عز وجل- خيراً منها! قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله -عز وجل- ولدها إذ حرمني أولاد النساء”.



