السلة الرمضانية.. رسالة إنسانية تتجاوز الجوع

مصطفى ملا هذال..
في شهر رمضان المبارك، تتغيّر ملامح المجتمع وسلوك أفراده، ولا يقتصر التغيير على مواعيد الطعام والنوم، إذ يتحول هذا الشهر إلى مساحة واسعة للتكافل الاجتماعي، حيث تمتد الأيادي بالعطاء، وتتقارب القلوب قبل الأجساد، ومن أبرز صور هذا التكافل، انتشار مبادرات توزيع السلات الرمضانية التي أصبحت تقليداً راسخاً يعكس روح التضامن، ويقدم دروساً عميقة في الإيثار وحب الخير.
السلة الرمضانية.. أكثر من مجرد مواد غذائية
السلة الرمضانية قد تبدو للوهلة الأولى مجرد مجموعة من المواد الغذائية الأساسية جُمعت بعناية من قبل الميسورين، لكنها في حقيقتها تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية أعمق بكثير، فهي تمثل رسالة تقول للإنسان المحتاج أنت لست وحدك، وهذه الرسالة رغم بساطتها تترك أثراً نفسياً كبيراً، في نفوس الأفراد، إذ تعزز شعور الانتماء وتخفف من وطأة الحاجة.
ففي مجتمعات تعاني تفاوتاً اقتصادياً واضحاً، يصبح وصول هذه السلات عامل توازن مؤقتاً يعيد شيئاً من العدالة الاجتماعية، ولو بشكل جزئي، فهي لا تسد الجوع فقط، بل تحمي كرامة الإنسان من الانكسار أمام الحاجة، وتمنحه فرصة للعيش بسلام خلال الشهر الفضيل، فضلاً عن كونها تعطي درساً في الإيثار حين يعطي الإنسان رغم حاجته، فكثيراً من المتبرعين ليسوا بالضرورة من الأثرياء، بل من أصحاب الدخل المحدود الذين يقتطعون جزءاً من مواردهم ليقدموه للآخرين. هذا السلوك يعكس وعياً أخلاقياً عميقاً بأن المجتمع لا يقوم على الفردية، بل على الترابط.
ومن الدروس المتوخاة هنا، أن التكافل الاجتماعي في رمضان لم يقتصر على العلاقة بين المتبرع والمستفيد، فهو يسهم في خلق شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية، من خلال الاشتراك في جمع التبرعات تارة، والعمل على تجهيز المواد الغذائية تارة أخرى، ولا يمكن أن ننسى جهود القائمين والمشرفين على توزيعها وكل هؤلاء يشكلون حلقة في سلسلة الخير. هذا التفاعل يعزز الشعور بالمسؤولية الجماعية، ويعيد إحياء مفهوم “المجتمع الواحد” ففي ظل الحياة الحديثة التي يغلب عليها الطابع الفردي، تأتي هذه المبادرات لتذكر الناس بأنهم جزء من كيان أكبر، وأن قوة المجتمع تكمن في تضامن أفراده، مع التذكير أيضاً بضرورة استمرارية هذا النهج طوال العام، فالحاجة لا تختفي بانتهاء الشهر والفقر لا يرتبط بتقويم زمني.
البعد التربوي.. غرس القيم في الأجيال الجديدة
من المشاهد الجميلة التي تتكرر في الشهر الفضيل هو مشاركة الأطفال والشباب في تجهيز وتوزيع السلات، وهذه المشاركة لا يمكن إدراجها ضمن الأنشطة التطوعية فحسب، فهي عملية تربوية تغرس لدى الأطفال المشاركين قيم العطاء والمسؤولية. فحين يرى الطفل والديه يساهمان في مساعدة الآخرين، فإنه يتعلم عملياً معنى الرحمة والتكافل، ومع مرور الوقت تتحول هذه القيم إلى جزء من شخصيته، مما يضمن استمرار ثقافة الخير عبر الأجيال.
ولا يمكن إهمال حقيقة، أن المجتمع الذي تنتشر فيه ثقافة التكافل يكون أكثر استقراراً وأقل عرضة للتوترات الاجتماعية، فالشعور بأن هناك من يهتم بحال الآخرين يقلل من مشاعر التهميش، ويعزز الثقة بين أفراد المجتمع. كما أن التكافل يساهم في تقليل الفجوة النفسية بين الطبقات المختلفة، ويخلق نوعاً من التوازن الاجتماعي الذي يعد أساساً لأية نهضة حقيقية في المجتمعات القوية التي لا تخلو من الفقر، لكن لديها القدرة على التغلب على هذه الظاهرة.
أعظم ما يمكن أن نستفيده من هذه التجربة “توزيع السلات” هو أن نجعل التكافل أسلوب حياة، لا مجرد مناسبة موسمية، وحين يصبح العطاء عادة، يصبح المجتمع أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، كما يتحول هذا الشهر إلى مدرسة سنوية تعيد تشكيل الوعي الاجتماعي، وتغرس قيم الرحمة والتضامن.



