تأخير الموازنة يدفع البرلمان للبحث عن حلول اقتصادية بديلة

تلويح باللجوء إلى قانون الأمن الغذائي
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
تشهد الساحة المالية في العراق حالة من الجدل الواسع مع استمرار تأخر إقرار الموازنة العامة لعام 2026، في وقت تتصاعد فيه تحذيرات إعلامية من أزمة مالية محتملة، ورغم أن أسعار النفط ما تزال عند مستويات تقارب 70 دولاراً للبرميل، وهي أسعار تُعد جيدة قياساً بالفترة السابقة، إلا أن غياب الموازنة خلق حالة من القلق بشأن الإنفاق العام وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها التشغيلية والاستثمارية.
وفي ظل هذا التأخر، لوَّحَ مجلس النواب بإقرار قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية كحل مرحلي يضمن استمرار تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، خصوصاً مفردات البطاقة التموينية، ودفع الرواتب، وتغطية النفقات التشغيلية الضرورية، ويُنظر لهذا القانون كأداة قانونية مؤقتة لمعالجة النقص المالي الناتج عن غياب الموازنة، لكنه لا يمكن أن يحل محلها من الناحية الدستورية والمالية، بل يركز على الأولويات العاجلة فقط، مع تقليص الإنفاق غير الضروري وإدارة الموارد وفق سقف ضيق.
وفي سياق آخر يرى مختصون أن الإطار القانوني الذي بالإمكان أن تستند إليه الحكومة في هذه المرحلة هو قانون الإدارة المالية الاتحادي رقم (6) لسنة 2019 المعدل، والذي يجيز الصرف وفق قاعدة (1/12) من موازنة السنة السابقة في حال عدم إقرار الموازنة الجديدة، مبينين أن هذه القاعدة تسمح باستمرار دفع الرواتب والمخصصات التقاعدية وشبكة الحماية الاجتماعية ودعم البطاقة التموينية، لكنها لا تتيح إطلاق مشاريع استثمارية جديدة، بل تقتصر على تمويل المستحقات الواجبة للمشاريع المستمرة، وبذلك فهي تمنع الشلل المالي الكامل، لكنها في الوقت نفسه تجمّد التوسع التنموي.
وأكدوا أنه لا توجد هناك مؤشرات فورية على انهيار مالي طالما أن صادرات النفط مستمرة والتدفقات النقدية قائمة إلا أن المشكلة الحقيقية ليست في توفر الإيرادات، بل في غياب التخطيط المالي السنوي الواضح وتعطل تشكيل الحكومة، وهو ما انعكس سلباً على الوضع المالي للبلد بشكل كبير وأثر على استقراره الاقتصادي وحركة الاستثمار،وكذلك الدورة الاقتصادية.
ولفتوا الى أن” تهويل المحللين الإعلامي حول حدوث هزة مالية مرتقبة يتعرض لها البلد ، قد لا يستند إلى واقع اقتصادي وفق المعطيات المتاحة ، لكنه قد يعكس مخاوف مشروعة من استمرار التعطيل السياسي للبلد ، مبينين أن الاعتماد الطويل على حلول مؤقتة مثل قانون الأمن الغذائي أو قاعدة (1/12) يعني عملياً تقليص الإنفاق الاستثماري وتأجيل المشاريع، وهو ما يؤدي إلى تباطؤ النمو وارتفاع البطالة وتراجع النشاط في القطاعات غير النفطية، مشيرين إلى أن الخطر ليس آنياً، بل تراكمي، ويظهر أثره كلما طال أمد التأخير.
وفي ذات السياق أكد الخبير الاقتصادي فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي ” أن ” ما يجري هو أزمة إدارة سياسية أكثر مما تكون أزمة موارد مالية”.
وأضاف أن” العراق يمتلك إيراداً نفطياً مستقراً نسبياً في هذه المرحلة، لكنه يفتقر إلى موازنة تقود الإنفاق وفق رؤية تنموية واضحة، مبيناً أن استمرار هذا الوضع لا يؤدي إلى شلل كامل، لكنه يضع الاقتصاد في حالة جمود ويوفر الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، مقابل توقف عجلة التوسع والاستثمار”.
وبين الزبيدي أن” الحلول الاقتصادية متاحة قانونياً وتمنع توقف الرواتب والخدمات الأساسية، إلا أن الاعتماد عليها لفترة طويلة سيحول الأزمة من مؤقتة إلى هيكلية، خصوصاً في ظل اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط ويحتاج إلى استقرار تشريعي ومالي لاستعادة ثقة المستثمرين وتحريك عجلة التنمية”.
ويبدو أن أزمة تأخير تشكيل الحكومة، ألقت بظلالها السلبية على واقع الاقتصاد العراقي من خلال عدم إقرار الموازنة، والتي بدورها دفعت البرلمان للبحث عن حلول مؤقتة ، تُؤمِّن الرواتب خلال المرحلة المقبلة”.



