البوصلة الثقافية في شهر رمضان

محمد علي جواد تقي..
“لِكُلِّ شَيْءٍ رَبِيعٌ وَرَبِيعُ الْقُرْآنِ شَهْرُ رَمَضَانَ”.. الإمام الباقر “عليه السلام”.
لتلاوة القرآن الكريم في أيام شهر رمضان وقعٌ خاصٌ في النفوس لالتقائه مع رافد روحاني آخر، هو الصيام كعمل عبادي يعزز العلاقة بين العبد وربه، فتكون بمنزلة النور الهادي لمسيرة الصيام طيلة ثلاثين يوماً، لتحقيق الغاية المنشودة من هذه الفريضة الإلهية بتنقية القلوب وجلاء النفوس وبناء الشخصية المستقيمة.
ومن أجل هذا، نرى تفاعل الكثير من المؤمنين على محافل القرآن الكريم لتلاوته بشكل جماعي لما فيه من التفاعل والتواصل في أجواء المساجد والجوامع والمراكز الثقافية التي تجذب الصغار والكبار، والنساء والرجال من مختلف الاعمار.
البيت.. المسجد الصغير
طالما جرت التأكيدات على الدور التربوي في ترسيخ ثقافة القرآن الكريم بين أفراد المجتمع، ولاسيما صغار السنّ، وأيضاً فئة الشباب، فمن هم في طراوة عودهم يستقبلون بسرعة فائقة ما تنجذب اليه نفوسهم وتهوى اليه قلوبهم من العادات والسلوكيات التي يتلقونها من مواقع التواصل الاجتماعي، ومن مواقع الانترنت، تارةً؛ ومن محيطهم الاجتماعي تارة أخرى، مما يستدعي التذكير بقوة العلاقة بين تلاوة القرآن الكريم في أيام شهر رمضان، وبين النفوس الظامئة لعملية التحديث أو “الفرمتة”، كما هو الاصطلاح الدارج في عالم الحاسوب.
والقرآن الكريم، كما عرّفه العلماء والحكماء في العالم منذ زمن بعيد، هو كتاب ليس كسائر الكتب، فيه البينات والواضحات من الأحكام والدروس والعبر، كما فيه السنن (القوانين) الإلهية والمعايير الثابتة لفهم الأشياء، والايمان بالغيب لما يتطلب تبيينه وتوضيحه، وبذل جهود تدبرية أحياناً، والعودة الى أهل العلم والمعرفة لتفسير بعض الآيات الكريمة وكشف ما تيسّر من الدلالات والمعاني أحياناً أخرى.
وبما أنه كتاب يواكب الزمن وحياة الانسان، فمن الجدير أن يكون ضيفاً دائماً في بيوتنا وبين أفراد أسرتنا، لنكون كمن يتعرض لأشعة الشمس يومياً طمعاً بالفوائد الصحية المعروفة، والقرآن الكريم أعظم من الشمس فائدة لحياة الانسان بما لا يُعد ولا يحد، لأنه يجمع الفائدة المادية والفائدة المعنوية في وقت واحد، وعندما يقرأ الأب أو الأم، أو كليهما في وقت واحد، أو كبار السن داخل الأسرة، آيات من الكتاب المجيد في نهار أو ليالي هذا الشهر الفضيل، فانهم بالحقيقة، يعرضون أفراد الأسرة لشعاع دافئ يحمل هذه الفوائد، ولعل هذا يكون أحد معاجز هذا الكتاب العظيم.
وتأتي أهمية البيت كمنطلق نحو تجسير العلاقة مع القرآن الكريم لأسباب موضوعية أبرزها؛ القدوة والاقتداء، فمن يحملون العادات الحسنة والخلق الكريم في الشارع والسوق والمدرسة ومختلف مراكز العمل، يُنسبون فوراً الى أهاليهم، والى أبويهم بحسن التربية، والعكس بالعكس قطعاً، فالشاب أو اليافع الذي يتسكع في الشوارع أو يرتاد الكوفيهات – مثلاً لا حصراً- فانه انطلق من بيئة شبيهة بما يذهب اليه، وكذا الحال لو كان متوجهاً الى المسجد، أو الحسينية أو أي مركز ثقافي أو علمي، ولعل هذا يفسّر حجم الأهمية البالغة التي أولاها رسول الله لمسألة تعليم القرآن الكريم من قبل الوالدين داخل البيت، فقد جاء في رواية عنه، “صلى الله عليه وآله”، وردت في كتاب مستدرك وسائل الشيعة، أنه “مَنْ عَلَّمَ وَلَدَهُ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّمَا حَجَّ الْبَيْتَ عَشَرَةَ آلَافِ حَجَّةٍ، وَاعْتَمَرَ عَشَرَةَ آلَافِ عُمْرَةٍ، وَأَعْتَقَ عَشَرَةَ آلَافِ رَقَبَةٍ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ، وَغَزَا عَشَرَةَ آلَافِ غَزْوَةٍ، وَأَطْعَمَ عَشَرَةَ آلَافِ مِسْكِينٍ مُسْلِمٍ جَائِعٍ، وَكَأَنَّمَا كَسَا عَشَرَةَ آلَافِ عَارٍ مُسْلِمٍ، وَيُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَيَمْحُو اللَّهُ عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَيَكُونُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ حَتَّى يُبْعَثَ، وَيَثْقُلُ مِيزَانُهُ، وَيُجَاوَزُ بِهِ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ، وَلَمْ يُفَارِقْهُ الْقُرْآنُ حَتَّى يَنْزِلَ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ أَفْضَلَ مَا يَتَمَنَّى”.
القرآن الكريم.. نور هادٍ
كما السيارة في ظلام الليل لا تضمن لصاحبها السلامة في السير إلا بوجود المصابيح لإنارة الطريق، فنحن نحتاج الى القرآن الكريم على مر الزمن لمعرفة الحدود بين الصح والخطأ، وبين الحق والباطل حتى نضمن النسبة الأعلى من السلوك القويم، والأخلاق الحسنة، والرؤية الدقيقة الى مسائل العقيدة وطرائق التفكير.
وهذا يتيسّر من خلال تلاوة القرآن الكريم بين أفراد الأسرة، ثم التوقف عند آيات لها دلالات في مسائل مختلفة، حتى الواضحات البينات منها فيما يتعلق ببر الوالدين، أو الأخلاق والآداب، أو الأحكام الدينية، فان الفرصة تكون متاحة لإغناء الواقع الاجتماعي بروح القرآن الكريم الذي هو {تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}، كما يصف نفسه، وهذه مسألة محورية بأن يجد الأبناء إجابة لكل سؤال، وحلٍ لكل معضلة في الكتاب المجيد قبل غيره من الكتب البشرية؛ إجابات وحلول تتسم بالواقعية والدقّة بما يتناسب مع كل عصر وزمان.



