اخر الأخبارثقافية

أعمال ماهر السامرائي تستحضر روح الحضارات العراقية القديمة

المراقب العراقي/ علي ابراهيم..

أول ما يلفت النظر في مجمل أعمال التشكيلي ماهر السامرائي هو العلاقة الواضحة مع الحضارات العراقية القديمة، لكنه لا يكتفي بالاقتباس الشكلي من السومري والبابلي والآشوري، بل يستحضر روح اللوح الطيني بوصفه أول أداة للتدوين والتوثيق. الشكل المستطيل والدائري للوح، والمعالجة الملمسية التي توحي بالقدم والتقادم، كلها إشارات تعيد العمل الخزفي المعاصر إلى مصدره الأول.

في بعض القطع تظهر منحوتة تمزج بين بنية اللوح وبين تمثال جانبي لامرأة بوضعية رأس تذكّر بالنحت الآشوري والمصري. في قطع أخرى تظهر أشكال صغيرة منحوتة تستدعي الأختام الأسطوانية، بهذا يصبح الخزف حاملاً لحوار حضاري مفتوح، لا يقف عند الاستدعاء بل يحوّل المرجع إلى بُنية تشكيلية جديدة.

اللغة العربية والخط يشكلان المحور الثاني في تجربة السامرائي، الخط هنا لا يستخدم للنص المباشر فقط، بل يعامل كعنصر زخرفي وبنائي، فالسامرائي يعيد تدوير الخط الكوفي والخطوط الطلسمية، فينحتها أو يحفرها أو يحوّلها إلى بروزات ذهبية على سطح العمل.

في إحدى اللوحات، يظهر نص قرآني محفور بوضوح كجزء من تكوين مجزأ. في قطعة أخرى تتحول الكتلة الخطية الذهبية إلى عنصر طلسمي بارز يضفي على السطح هالة من القدسية والغموض، استخدام الذهب لا يقتصر على الزخرفة، بل يستعيد التقنية الإسلامية التي منحت الخزف قيمة مادية وروحية معاً. النتيجة أن النص يخرج من وظيفته القرائية ليصير كتلة بصرية تشتغل داخل التكوين.

أعمال السامرائي لا تقف عند الخط والتأريخ، هي مشبعة برموز كونية وإنسانية تتكرر بتحويرات دقيقة.. فشكل السمكة حاضر بقوة، وهي رمز سومري بابلي مرتبط بالخصوبة والمياه والبعث. لكنه يدمجها مع رموز أخرى مثل كف وآثار الأقدام والهياكل العظمية للأسماك والطلاسم المنحوتة على شكل أختام.

هذا المزيج ينتج تعويذة بصرية معاصرة، المعتقدات الشعبية والتراث الروحي لا تُنقل كما هي، بل تُعاد صياغتها داخل سياق تشكيلي جديد. السمكة ليست عنصراً زخرفياً، بل علامة على دورة الحياة والموت والبعث. الكف والطلاسم تشتغلان كإشارات حماية وبركة، بهذا يتحول العمل الخزفي إلى حقل رمزي مفتوح على القراءة المتعددة.

وهناك مرحلة أخرى في تجربة السامرائي تنتقل من فكرة اللوح إلى فكرة الكتلة والمعمار. تظهر أعمال مجردة تشبه القباب والمنافذ وبوابات الأضرحة. السامرائي هنا يجمع بين السطح المنحني هندسياً وبين الأجزاء المجزأة التي توحي بالحطام أو الآثار. داخل هذه الكتل توجد مزارات صغيرة تضم ألواحاً خطية مصغرة، فتتحول القطعة إلى رحلة بصرية من الخارج المجرد إلى الداخل المليء بالنصوص والرموز.

السامرائي لا يتعامل مع الطين كخامة وحيدة، هو يمارس فن الوسائط داخل الخزف نفسه، يجمع في القطعة الواحدة بين الطين المصقول والطلاء المزجج اللامع وبين السطوح الخشنة غير المزججة التي تبدو كأنها عظام أو أحافير. الذهب والبرونز يظهران كعناصر تأطير وتأكيد، بينما تبقى مساحات أخرى مفتوحة على خشونة المادة.

في إحدى القطع المعمارية ذات القبة المجردة يلتقي السطح المزجج الأملس بكتلة طابوق بارزة ولمسات ذهبية. التباين يخلق توتراً بين المعمار الصلب والزخرفة الروحية، بين ما هو دنيوي وما هو متعالٍ. هذه الجرأة في التعامل مع الخامات تخرج الخزف من خانة الحرف إلى خانة الفن المفاهيمي.

الجرأة في استعادة تطبيق الذهب في أعمال السامرائي يحمل إرثاً تأريخياً كبيراً يعود إلى الخزف الإسلامي اللامع، لكنه لا يستعيده كإعادة إنتاج حرفية. الذهب يستخدم لتأطير النصوص أو كعناصر مركزية لامعة تمنح العمل مظهراً ملكياً وروحياً. التباين بين المعتم واللامع يخلق عمقاً بصرياً، ويمنح السطح بعداً ثالثاً لا يتأتى بالطلاء العادي.

قوة تجربة السامرائي تكمن في قدرتها على المزج بين ثلاث طبقات: الطبقة التأريخية الرافدينية، الطبقة الخطية العربية، الطبقة الرمزية الشعبية. هذا المزج لا ينتج ارتباكاً، بل ينتج لغة بصرية متماسكة لأن الفنان يمتلك معرفة أكاديمية بالمراجع وتقنيات عالية بالخامة.

الخطر المحتمل يكمن في الإفراط في الحمولة الرمزية. عندما تتكدس السمكة والكف والطلسم والخط والذهب في قطعة واحدة، قد يفقد العمل تنفسه البصري ويتحول إلى صفحة كثيفة تحتاج إلى مفتاح قراءة. لكن السامرائي يتجنب هذا الخطر في كثير من القطع عبر التوازن بين السطح المجرد والسطح المزدحم، بين المساحة الصامتة والعلامة الصارخة.

نقطة أخرى تستحق الملاحظة هي حضور الطفولة. ذكرياته مع الطين والحيوانات والطيور ليست حكاية جانبية. هي المصدر الأول للرموز التي تشتغل لاحقاً في الأعمال الكبرى. بهذا يصبح السير ذاتي جزءاً من البنية العامة للمشروع، لا مجرد مقدمة أنثروبولوجية.

أعمال ماهر السامرائي، كما تظهر في تجربته، تقدّم فناناً يفهم تأريخ الفن الرافديني ويعرف كيف يعيد صياغته في قالب حداثي، فهو لا يستنسخ الماضي، بل يستحضر روحه عبر الطين والخط والذهب. القطع تتجاوز الوظيفة النفعية لتصبح أيقونات تحمل عمقاً فلسفياً وروحياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى