مفاوضات الفرصة الأخيرة انطلقت.. المنطقة نحو الحرب أو التسوية

بقلم: شارل أبي نادر..
على الرغم من أن مفاوضات شهر حزيران من العام الماضي، بين الأمريكيين والإيرانيين لم تكتمل وانقطعت حينها بسبب عدوان “إسرائيلي”- أمريكي مفاجىء وواسع على إيران، عادت الأخيرة، وفقًا لموقع “أكسيوس”، وطلبت نقل المفاوضات الحالية من أنقرة إلى مسقط (عاصمة سلطنة عمان)، فيما يبقى مضمون هذه المفاوضات هو الأساس بعيدًا عن الشكل، من ناحية المكان ووجود مراقبين أو عدم وجودهم، إذ تبقى نتائج هذه المفاوضات هي نقطة الارتكاز الأساسية في تحديد مسار الحرب في المنطقة.
بناءً على ذلك؛ وبما أن لهذه المفاوضات بين واشنطن وطهران، في سلطنة عمان، سيكون لها التأثير الأكبر الأساسي في مستقبل المنطقة بشكل عام، لا بد من الإضاءة على فرص نجاحها، انطلاقًا من طروحات ومطالب وشروط كل طرف.
بداية، من الضروري الإشارة إلى أن واشنطن تدخل في هذه المفاوضات والنسبة الأكبر من شروطها هي شروط “إسرائيل”، مع ضغوط واسعة من الأخيرة التي تعدّ هذه المفاوضات بمثابة رفع عتب ولزوم ما لا يلزم. ذلك؛ لأنّها تريد الذهاب نحو شن حرب واسعة على إيران، تهدف من خلالها فرض تنفيذ شروطها كلها على الأخيرة بالقوة، لناحية وقف أشكال التخصيب السلمي وغير السلمي كله، ولناحية تقييد قدرات طهران الصاروخية إلى أدنى درجة في المدى وفي القدرات التدميرية، ولناحية إيقاف النظام الإيراني أشكال الدعم كلها لأطراف محور المقاومة في المنطقة، وتحديدًا حزب الله في لبنان وحماس في غزة وأنصار الله في اليمن.
هذا لناحية ما تطلبه “إسرائيل”، الأمر الذي ترفضه إيران بشكل كامل. هي ترى أن الجدوى التي تطمح إليها من هذه المفاوضات هو التطرق فقط إلى الملف النووي، وتحت سقف التزامها بعدم امتلاكها سلاحًا نوويًا، الأمر الذي بالأساس لا يخالف استراتيجيتها ورؤيتها.
انطلاقًا من عقدة هذه المفاوضات، تبعًا لموقف العدو “الإسرائيلي” وشروطه مقابل الموقف الإيراني، يأتي دور الأميركيين الذي عليه تبنى نتائج هذه المفاوضات.
صحيح أنّ الموقف الأميركي، في الأساس، هو غير بعيد عن الموقف “الإسرائيلي” لناحية الشروط والمطالب المعروضة والمفروضة على إيران، لكن بالنسبة إلى الأميركيين، أصبح لديهم قناعة واضحة بأنّ هناك صعوبة كبيرة في فرض تلك المطالب على إيران، مع قناعتهم أيضًا بأنّ هناك صعوبة أكبر في الحصول على هذه المطالب نتيجة عدوان واسع عليها.
هذه القناعة الأميركية أصبحت مبنية على عدة نقاط يمكن الإشارة إليها على الشكل الآتي:
1- يبدو أن الإدارة الأميركية قد تأكدت، وبشكل لا يقبل الشك، أن هناك استحالة بإسقاط النظام الإيراني، لا سيما أن المحاولة الأخيرة التي خطط لها وعمل عليها من داخل إيران، أميركيًا و”إسرائيلياً”، وعلى المستويات الأمنية والمخابراتية والسيبرانية كافة لإسقاط النظام، فشلت أولاً في تحقيق هدفها، والأهم ثانيًا، أن النظام خرج منها أقوى، بعد أن ربح فرصة اكتشاف مكامن التأثير السلبي والدسائس والعملاء، وبعد أن استفاد من تجربة الاحتكاك مع الثغرات الحدودية التي شكلت نقاط ارتكاز لمناورة استهداف الداخل الإيراني.
2- اكتشف الأميركيون، أيضًا، وبعد عرضهم هذه الحشود العسكرية الضخمة كلها في المنطقة والتهويل والضغط بها على إيران، أن الأخيرة بقيت ثابتة على مواقفها أكثر، لا بل اكتشف الأميركيون عدة نقاط ضعف في مناورة انتشارهم في محيط إيران، سواء في البر أم في البحر، كانوا غافلين عنها في الأساس، وذلك بعد أن أضاء الإيرانيون عليها ضمن استراتيجية الردع التي تبرع بها دائمًا الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
أمام هذه الوقائع والانسداد في فرض الأجندة الأميركية – “الإسرائيلية” على إيران، بالضغط على النظام الإيراني من الداخل، وأمام قناعة الأميركيين باستحالة إرغام طهران على تنفيذ شروطهم بالقوة، وأمام قناعتهم أيضًا بحتمية تعرضهم لخسائر مؤلمة، في قواعدهم البرية وفي نقاط انتشارهم البحرية المحيطة بإيران.. كذلك مع اقتناعهم واقتناع كيان الاحتلال، أيضًا، بحتمية تعرض الكيان لخسائر أشد ايلامًا، كان القرار الأميركي بإعطاء المفاوضات فرصة للخروج من مأزق الذهاب نحو حرب غامضة، في مسارها وخطيرة في نتائجها وفي تداعياتها..
بذلك يبقى الجهد الأميركي، اليوم، وعبر هذه المفاوضات، منصبًا نحو إقناع “إسرائيل” في ترشيد وتخفيض مطالبها من ايران، أكبر من الجهد الذي عليها بذله مع الأخيرة لإخراج المفاوضات بنتائج الحد الأدنى لحفظ ماء وجه الرئيس ترامب، والذي يبدو أن لديه مشكلة داخلية كبرى، بدأت تتدحرج ككرة الثلج، والمتعلقة بكشف وزارة العدل الأمريكية وثائق وفضائح ملف “إبستين” وجزيرته الصاخبة.



