تجربة العلاقة بالقائد الغائب

محمد علي جواد تقي..
حقاً إنها لتجربة فريدة من نوعها في مجالات العمل بالحياة، كأنْ تكون داخل مؤسسة إنتاجية، او مؤسسة عسكرية، وأينما كان للهرم القيادي دوره في ادارة الحياة، حتى داخل الأسرة الصغيرة وأنت تفتقد للقائد ولربّ الأسرة، فالمعروف ضرورة وجود القائد أو المرشد لتحديد المسار وإعطاء التوجيهات اللازمة، لاسيما في ظروف الأزمة والمواجهة مع خطر داخلي او خارجي.
لنفترض جدلاً –وهو افتراض محال- أن بلداً يواجه بلداً آخر يمتلك قدرات عسكرية واقتصادية فائقة قادرة على قتل أبنائه بالجوع والموت المريع، وهو فاقد للقائد الموجّه الى حيث الخلاص، او توفير الأمن والاستقرار له، فضلاً عن التفكير بالانتصار عليه.
أمرٌ يصعب تصوره في ظل المعايير السياسية في هذا العالم، بيد أنه أمرٌ واقع في ظل المعايير والسُنن الإلهية عندما تكون أمة الإسلام بتعدادها الحالي مليار ونصف المليار نسمة من دون قائد يرشدها الى أفضل الطرق للتعامل مع الاحداث والتحديات الماحقة، ولعل هذا ما يجعل الأمة تجمع على حاجتها الى المنقذ آخر الزمان، مع الاختلاف في العقيدة بين أن يكون الإمام المنقذ حيّاً يرزق، وهو مولود منذ اثني عشر قرناً من الزمان، او أنه سيولد في ساعة الظهور، وهذا ليس مدار بحثنا، بقدر ما يهمنا كمسلمين في كيفية التعامل مع قائد غائب أمام بلدان وأمم منافسة لها قادة يعيشون معهم ويضخون لهم الفكر والعقيدة والعلم والمعرفة بشكل مباشر، فيما نحن نعيش وضعاً لا يمكن وصف سوئه في المجالات كافة.
رجال الهدم والبناء معاً
عندما نشهد نهضة جماهيرية للإطاحة بنظام ديكتاتوري ظالم، وهي محفوفة بشعارات الخلاص، واستذكار المظالم المريعة لمزيد من إذكاء الحماس والعاطفة لتحقيق التغيير المنشود، يغيب عن ذهن الكثير ما يجب فعله في مرحلة ما بعد الانتصار على الديكتاتورية، وهل تسود قيم الحق مثل؛ العدل والحرية والمساواة والأمان التي ضحى من أجلها المجاهدون المؤمنون؟ وكيف السبيل الى ذلك؟.
في تجارب الأمم والشعوب، يختلف جيل هدم الديكتاتورية عن جيل بناء الديمقراطية، أو جيل مقاومة الاحتلال، عن جيل البناء السياسي والاقتصادي، فيكون ثمة فصل، او إقامة نوع من التواصل الحذر لتبادل التجارب حتى تكون الانتقالة بحكمة لاستحصال الفائدة الأكبر وتجنب الأخطاء، وأكثرها خطورة؛ استنساخ ديكتاتوريات جديدة من رحم المعارضة والمقاومة!.
أمَّا رجال القائد الغائب فيختلفون تماماً مع هذه المعادلة باختلاف الظروف الاستثنائية، فهم رجال دولة عالمية يعمّها العدل والأمن والحرية، فلا وقت للتحول من مرحلة الى أخرى، فالذي يفكر بإزالة شيء سيئ، عليه التفكير في نفس الوقت ببديله الأفضل.
ولعل هذه الجزئية تحديداً تكون فرصة عملية لنا لصنع رجال من هذا النوع يفيدون حاضرهم وتجارب تغييراتهم السياسية والاجتماعية في بلدانهم المأزومة، ومن ثمّ يكونون على أتمّ الاستعداد ليوم الظهور الموعود، عسى الله أن يرزقهم التزامن ويشهدوا ذلك اليوم العظيم.
إن ما نعيشه اليوم من فجوة مؤسفة بين النظرية والتطبيق، وبين القيم السماوية التي ضحى من أجلها النبي الأكرم، وأهل بيته والأولياء الصالحون، والواقع الاجتماعي والثقافي الراهن، هو وليد هذا التعارض، فنحن نرفع شعارات الانتظار لليوم الموعود، و الرجاء بأن نكون من رجال الإمام المهدي المنتظر، وأن نكون جنوداً أوفياء مخلصين و… وغيرها من الأماني الجميلة، بيد أن الجميل ايضاً عند الإمام، عجل الله فرجه- رؤية استعداد كامل من الناحية النفسية والفكرية للتغيير الشامل في العالم، وأن نعين الإمام على أن يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما مُلئت ظلماً وجورا، فهي مهمته، سلام الله عليه، مع ثلاثمائة وثلاثة عشر قائدا.



