ماذا يعني تورّط توم براك في فضائح إبستين؟

بقلم: محمد جرادات..
عجوز وسياسي مخضرم، تخرج من كلية الآداب والقانون، برز كمهندس للخريطة السورية الجديدة، إذ لم ينفك عن استحضار التأريخ وهو يعيد ترتيب قطع الشطرنج السورية، بعد أن نجح كسفير أمريكي في تركيا، وتوم برّاك بالأساس شهبندر عقاري وملياردير، لكنه حين دخل في الثمانين من عمره، بدأ ينظر إلى الجغرافيا في خضم صراع حضارات حتمي، حتى إنه اعتبر الشرق الأوسط مجرد تكتل فسيفسائي لا دول فيه، لذا هدد لبنان القابض على سلاح مقاومته بإعادة ضمّه إلى سوريا الجديدة، لماذا؟ لأن لبنان برأيه منتجع سوريا الساحلي!.
نجح توم براك في إدارة خريطة التناقضات السورية، فيما أخفق حتى الآن في موطنه الأصلي لبنان، وهو ما جعله يخرج عن طوره عندما هاجم الصحفيين اللبنانيين واعتبرهم حيوانات، وهو يتحدث بنبرة استعلاء باعتباره رجلاً حضارياً مثقفاً، ولكن غضبه من لبنان يعود إلى تلك اللحظة التي غادر فيها والده لبنان هارباً في بطن حاوية بضائع نحو أمريكا وقد أصبحت موطنه الجديد، ليعود الابن إلى لبنان بطائرته الخاصة وفي جوفه برميل حقد تأريخي ينفث سمّه على طريقة صديقه ترامب، ولكن فجأة ظهر له صديق آخر ليتكشف عبر آثار هذه الصداقة، وجه توم براك الحقيقي ومعه الحضارة الغربية التي بات يتقمّصها بتصنّع فجّ، وهو يتحدث باسمها وسط أشلاء الشرق الأوسط الجديد.
“ابعث لي صورتك مع طفلك واجعلني أبتسم” أيّ طفولة يريدها ذاك الصديق الفضائحي جيفري إبستين من توم برّاك لكي يبتسم أو يستمتع؟ وإبستين هذا متخصص في الاتجار بالأطفال القُصّر لغاية الشذوذ الجنسي، ولا متعة له إلا وسط أشلاء هذه الطفولة المعذبة بنار القبلات البهيمية واللمسات الوحشية وجحيم الاغتصاب، ترى ماذا كان حال توم برّاك وهو يلهو مع طفله، ويريد إبستين أن يبتسم عند رؤيته؟.
وهذا الطفل ليس مجرد طفل في حياة عابرة، ولكنه صار طفله على ما يبدو يتخذه متعة رخيصة، بعد أن ملّ من اتخاذ النساء كحال غيره من المليارديرات والمشاهير والزعماء، وقد انحدرت بهم الشهوة المحرمة من دعارة النساء إلى هناك بحراً حيث جزيرة إبستين وذروة الشذوذ مع القاصرين والقاصرات.
عبث برّاك الجنسي في خضم فضائح إبستين، يشير في خصوصيته إلى جملة نتائج حاسمة، وهي:
أولاً: يمثل برّاك في منظومته الثقافية وخطابه السياسي المتداخل مع التأريخ، مجمل السياق الغربي الحضاري، وعندما يتكشف سقوط هذا النموذج في عبث جنسي مع الأطفال، فهو يدمغ كامل النموذج الغربي فيما أنتجه من شذوذ حصري لا يأتي إلا وفق المقاس الغربي المادي.
ثانياً: تداخل التطورات السياسية في سوريا ولبنان، مع طبيعة عمل برّاك ودوره باعتباره المبعوث الشخصي لترامب، وحقيقة الواقع الذي يراد لهذين البلدين الشقيقين أن يتحوّلا إليه على مستوى الاصطفاف السياسي بخلفيته الفكرية الأخلاقية، وهي خلفية لم تعد تخفى بعد هذا الافتضاح، وتفسر مدائح وغزل برّاك ومن قبله ترامب بالقيادات السورية الجديدة، حتى وهي تتزيَّى باللحى الدينية وإرثها السلفي.
ثالثاً: امتهان برّاك ورئيسه ترامب وغيرهما من الزعماء بالدعارة الجنسية مع الأطفال، يفسر الدور الأميركي الضليع في مذابح غزة بحق الأطفال الفلسطينيين طوال سنتين وما زالت، فمن يتشهى بأطفال فلوريدا وشيكاغو ليس بمستغرب عليه أن يستمتع بتقطيع أوصال أطفال غزة.
رابعاً: ارتباط إبستين بالموساد الإسرائيلي وعمله لصالحه، يفسر مبعث هذه الحفلات الفاضحة ومقصدها النهائي، وعندما يتورط فيها برّاك ثم يكون لسوريا مهندسها الجديد، في وقت بدأ نتنياهو يتحدث صراحة عن مشروع “إسرائيل الكبرى” و”ممر داوُد” عبر سوريا حتى تركيا التي يعمل فيها برّاك سفيراً لأميركا، فإن الحرص الأميركي على تنفيذ المشاريع الإسرائيلية في سوريا ولبنان، مبعثه الفاعل ما يملكه الموساد من أوراق ضغط شخصية مباشرة بحق هؤلاء حتى لا يقعوا بالتقصير في خدمة السيد الإسرائيلي، ولو على حساب المصالح الأميركية الحيوية، وهذا ربما يفسر توقيت نشر هذه الفضائح أو بعضها على الأقل، فمن يملك رسالة حول برّاك وطفله، ربما يملك صورة أو مقطع فيديو لطبيعة العلاقة بينهما، يهدد بها ليربط عقاربه وفق الضابط الإسرائيلي الحصري.
نجح توم برّاك طوال السنة الماضية في تقديم صورة مثالية له كمبعوث سياسي أميركي رصين، ولم يعد باب يغلق في وجهه في سوريا الجديدة من السويداء الدرزية حتى الحسكة الكردية، وبشكل دائم عبر دمشق وقد اعتبرها نافذة التأريخ، حتى لو كان جليسه القائد السابق في تنظيم “القاعدة” والمدفوع مقابل رأسه 10 ملايين دولار، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل ما زال بمستطاع برّاك أن يتحدث باللهجة ذاتها مع مُضيفيه الدمشقيين الملتحين أو في حضرة الصحفيين المطلعين؟ وهل يمكن لتبادل الهدايا سواء كانت ساعة يد أو عبوة عطر أو النكات حول عدد الزوجات، أن تمر بشكل طبيعي ولو بشكل عابر، بعد أن فاحت رائحة هؤلاء السياسيين النتنة؟.



