اخر الأخبارطب وعلوم

الجمهورية الإسلامية.. ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية والفرط صوتية

تعتبر الجمهورية الإسلامية بمقدمة الدول في العالم بمجال صناعة الصواريخ الباليستية والفرط صوتية، مما جعلها دولة تستطيع التحكم بموازين القوى في المنطقة، إذ استطاعت طهران خلال سنوات، انتاج وتطوير ترسانة ضخمة من الصواريخ.

وفي السنوات الأخيرة، شهدت برامج التسلّح الصاروخي تطورًا متسارعًا، أعاد رسم ملامح ميزان الردع الاستراتيجي على المستويين الإقليمي والدولي. وفي قلب هذا التحول، برزت الأسلحة الفرط صوتية (Hypersonic) بوصفها إحدى أكثر التقنيات العسكرية تقدمًا وتعقيدًا، لما تتمتع به من سرعات هائلة وقدرات مناورة تجعل اكتشافها واعتراضها تحديًا بالغ الصعوبة.

ضمن هذا السياق، اتجهت إيران إلى تسليط الضوء على ما تصفه بإنجازات نوعية في هذا المجال، عبر الإعلان عن منظومات فرط صوتية جديدة، في خطوة تعكس سعيها لتعزيز قدراتها الردعية وفرض معادلات عسكرية أكثر تعقيدًا على خصومها. ويهدف هذا الموضوع إلى تسليط الضوء على مفهوم الأسلحة الفرط صوتية، وخصائصها التقنية، وموقع المنظومات الإيرانية المعلنة ضمن هذا السباق العسكري المتصاعد.

وتوصف الأسلحة الفرط صوتية كأحد أكثر المجالات إثارة للجدل والاهتمام في موازين الردع الحديثة، نظرًا لما تفرضه من تحديات تقنية وعسكرية على أنظمة الدفاع الجوي والإنذار المبكر.

في البداية، لا بدَّ من توضيح المقصود بمصطلح «فرط صوتي»، والتمييز بين هذه المنظومات والصواريخ الباليستية التقليدية. تُعرَّف السرعات الفرط صوتية بأنها كل سرعة تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت، أي أكثر من 5 ماخ، علمًا أن سرعة الصوت تقارب 340 مترًا في الثانية، وهو ما يعادل 1 ماخ، غير أن الفارق بين السلاح فرط الصوتي والصاروخ الباليستي لا يقتصر على السرعة فقط، بل يمتد إلى طبيعة الطيران، والمسار، والقدرة على المناورة.

ويعتمد الصاروخ الباليستي التقليدي على مسار باليستي مقوّس، إذ يُطلق نحو ارتفاعات شاهقة خارج الغلاف الجوي، ثم يعاود الدخول مجددًا باتجاه الهدف، بحيث يقضي الجزء الأكبر من زمن رحلته في الفضاء. وعلى الرغم من إدخال تحسينات مثل الرؤوس المناورة عند إعادة الدخول (MaRV)، فإن مساره يظل في العموم قابلًا للتنبؤ النسبي، ما يسمح لأنظمة الدفاع بحساب نقطة السقوط واعتراضه ضمن أطر زمنية معروفة.

في المقابل، تعمل الأسلحة الفرط صوتية داخل الغلاف الجوي، أو على حدوده العليا، بسرعات هائلة، مع قدرة على الطيران الأفقي أو الانزلاق بعد مرحلة الدفع، بل حتى التحليق لفترات قصيرة ضمن طبقات الجو العليا. وتتمتع هذه المنظومات، ولا سيما المركبات الانزلاقية الفرط صوتية (HGV)، بقدرات عالية على المناورة أثناء الطيران، ما يجعل التنبؤ بمسارها بالغ الصعوبة، ويحدّ بشكل كبير من فاعلية أنظمة الإنذار المبكر والاعتراض المصممة أساسًا للتعامل مع المسارات الباليستية التقليدية.

كما يختلف الارتفاع التشغيلي بين النوعين؛ فالصاروخ الباليستي يصل إلى ارتفاعات كبيرة قبل أن يهبط عموديًا تقريبًا نحو هدفه، بينما تحلق الأسلحة الفرط صوتية على ارتفاعات أقل نسبيًا، وبسرعات تفوق 5 ماخ، الأمر الذي يقلص زمن الوصول إلى الهدف إلى حدٍّ كبير، ويُضيّق نافذة الاستجابة الدفاعية إلى حدود حرجة.

وضمن هذا السياق، أعلنت إيران امتلاكها نوعين من المنظومات الفرط صوتية، هما «فتاح-1» و«فتاح-2»، في خطوة تعكس سعيها لإدخال هذا النوع من الأسلحة إلى ترسانتها الصاروخية.

وكُشف عن صاروخ «فتاح-1» في حزيران 2023، وأعلنت طهران، أن سرعته تتراوح بين 13 و15 ماخ. ومن الناحية التقنية، لا يُعد «فتاح-1» مجرد صاروخ باليستي عالي السرعة، بل منظومة متقدمة تضم رأسًا حربيًا مزودًا بمحرك ثانوي كروي الشكل يعمل بالوقود الصلب، مع فوهة متحركة تتيح توجيه الدفع. هذه الخاصية تمنح الرأس الحربي قدرة على تنفيذ مناورات سواء خارج الغلاف الجوي أو داخله، ما يجعله غير خاضع بالكامل للقوانين الباليستية التقليدية التي تعتمد عليها أنظمة الاعتراض في حساب المسار ونقطة الإصابة. ويُقدَّر مدى هذا الصاروخ بنحو 1400 كيلومتر.

أما «فتاح-2»، الذي كُشف عنه في تشرين الثاني 2023، فيمثّل نقلة نوعية مختلفة، إذ يُصنَّف كمركبة انزلاقية فرط صوتية (HGV). وعلى خلاف الطراز الأول، يستخدم «فتاح-2» محركًا يعمل بالوقود السائل في مرحلته الثانية، ما يوفّر تحكمًا أدق في قوة الدفع وسرعة الانزلاق عبر طبقات الغلاف الجوي العليا. وتُسهم قدرته على الطيران بمسار منخفض نسبيًا في بقائه تحت أفق الرادارات الأرضية لفترة أطول، وهو ما يقلّص زمن الإنذار والاستجابة الدفاعية إلى ثوانٍ معدودة قبل لحظة الإصابة.

من الناحية التشغيلية، تُطلق مركبة «فتاح» بواسطة صاروخ مُعزِّز (Boost) إلى حافة الفضاء، ثم تنفصل المركبة الانزلاقية لتبدأ مرحلة الانزلاق داخل الغلاف الجوي بسرعات فرط صوتية، مع تنفيذ مناورات متعددة قبل الوصول إلى الهدف. هذا النمط من الطيران، القائم على الانزلاق والمناورة المستمرة، يجعل اكتشافها وتتبعها واعتراضها مهمة بالغة التعقيد. ويُقدَّر مدى «فتاح-2» بنحو 1500 كيلومتر، مع سرعات تتجاوز 15 ماخ.

وتسعى إيران بذلك، من خلال «فتاح-1» و«فتاح-2» إلى ترسيخ حضورها في مجال الأسلحة الفرط صوتية، ليس فقط عبر عامل السرعة، بل من خلال الجمع بين المناورة، والمسارات غير المتوقعة، والارتفاعات المنخفضة نسبيًا، وهي عناصر تشكل تحديًا حقيقيًا لمنظومات الدفاع الصاروخي التقليدية، وتفتح فصلًا جديدًا في معادلات الردع الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى