غزة تواجه التهجير الناعم

بقلم/ مصطفى جواد..
فتح معبر رفح “تشغيليًا”: 150 شخصًا يُسمح لهم بالمغادرة، مقابل 50 فقط يُسمح لهم بالدخول.
قد يبدو الأمر إجراءً تنظيميًا أو تفصيلًا تقنيًا، لكنه في جوهره سياسة مدروسة. حين يُفتح باب الخروج أوسع من باب العودة، لا نكون أمام انفراج إنساني، بل أمام إدارة ديمغرافية للأزمة. غزة لا تُفتح، بل تُخفَّف… سكانيًا.
التهجير الناعم لا يحتاج إلى قرارات صاخبة. يكفي أن تتراكم عوامل الضغط: حرب، دمار، انعدام أفق، وانهيار خدمات. عندها يصبح “الخروج الطوعي” خيارًا قسريًا، فيما تتحول العودة إلى امتياز نادر يخضع لموافقات وقوائم وانتظار طويل. هنا، لا يُمنع الناس من البقاء بالقوة، بل يُدفعون إلى الرحيل بالواقع.
الأرقام بحد ذاتها رسالة سياسية. السماح بالمغادرة بأعداد أكبر يقدَّم للعالم بوصفه استجابة إنسانية، فيما تقييد الدخول يوجّه رسالة أخرى أقل وضوحًا: غزة ليست مفتوحة لاستعادة حياتها الطبيعية، ولا لعودة من غادروها. المعبر، في هذه المعادلة، لم يعد بوابة إنسانية، بل أداة ضبط وتفريغ تدريجي.
خطورة هذا النموذج أنه أقل كلفة دوليًا من التهجير القسري، وأصعب في الإدانة القانونية، لكنه أكثر فاعلية على المدى البعيد. فالنتيجة واحدة: تغيير سكاني صامت، يتم بالأرقام لا بالقوة، وبالإجراءات لا بالأوامر العسكرية.
ما تواجهه غزة اليوم ليس فتح معبر بالمعنى الحقيقي، بل اختبارًا لسياسة جديدة عنوانها “إدارة السكان” لا حماية حقوقهم. وإذا استمر الخلل بين المغادرة والعودة، سنكون أمام واقع يُفرض بهدوء، ثم يُقال لاحقًا إنه أصبح أمرًا واقعًا.
وهنا، تحديدًا، تكمن خطورة التهجير الناعم.



