اراء

فتح معبر رفح.. المرحلة الثانية إلى أين؟

بقلم: حسن لافي..
أُعلن أخيراً عن فتح معبر رفح وفق ترتيبات إسرائيلية صارمة، تقوم على فتح جزئي ومشروط، مع قيود واضحة على العودة إلى غزة، مقابل تسهيل أكبر للمغادرة، ما يحوّل المعبر عملياً من منفذ لحرية الحركة إلى بوابة خروج باتجاه واحد، ويعزّز نمطاً من “الهجرة العكسية” تحت عنوان إنساني ظاهري.
لكن خطورة ما يجري لا تكمن في معبر رفح بذاته، بل في كونه نموذجاً مبكراً للسلوك الإسرائيلي المتوقع في المرحلة الثانية من خطة ترامب: فكما جرى إفراغ فتح المعبر من جوهره كحق فلسطيني في الحركة، تسعى “إسرائيل” اليوم إلى اختزال المرحلة الثانية برمتها في عنوان واحد: نزع السلاح من غزة.
من منظور إسرائيلي، المرحلة الأولى من خطة إدارة ترامب، عنوانها الأساسي كان استعادة كامل الأسرى الإسرائيليين، الأحياء منهم والأموات، كهدف مركزي قبل أي خطوات لاحقة.
أما المرحلة الثانية، فهي وفق الرؤية الإسرائيلية، مرحلة الحسم الأمني والسياسي، وتركز على نزع السلاح من غزة بالكامل، باعتباره شرطاً مسبقاً لأي تحرك آخر، بما في ذلك إعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي من غزة.
لذا الأهداف الإسرائيلية الأساسية للمرحلة الثانية تتلخص في الآتي:
أولا، نزع السلاح الكامل من غزة: تعتبر “إسرائيل” أن أي خطوة لإعادة الإعمار أو تسهيل الحياة المدنية يجب أن تكون مشروطة بتسليم جميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، مع فرض آليات رقابية صارمة على ما تبقى من وسائل قتالية، لضمان أن تكون غزة “منزوعة السلاح عملياً”.
ثانياً، إفراغ المرحلة من مضمونها السياسي: تسعى “إسرائيل” إلى تحويل المرحلة الثانية إلى عملية إدارية وتقنية أكثر منها سياسية، من خلال إدارة غزة عبر لجنة تكنوقراط لا سيادة لها، ومن دون إشراك أي ممثل فلسطيني في مجلس السلام، ورفض ربط اللجنة الادارية بالسلطة الفلسطينية بشكل مباشر أو غير مباشر.
ثالثاً، تحويل الاستحقاقات الإنسانية إلى أدوات ضغط: فتح المعابر والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار تُربط مباشرة بتحقق شروط إسرائيلية مسبقة، ما يجعل الحقوق الأساسية للفلسطينيين مشروطة بالكامل، ويعكس نية “إسرائيل” في التحكم الكامل بالمرحلة الثانية لضمان تنفيذ أهدافها الأمنية أولاً.
رابعاً، فرض واقع ديمغرافي وسياسي جديد: من خلال ربط حرية الحركة والمساعدات بخروج محدود وإبقاء قيود على العودة، تعزز “إسرائيل” الهجرة العكسية، ما يمهّد لتثبيت واقع جديد على الأرض قبل أي تسوية محتملة.
خامساً، الاحتفاظ بالتفرد في صناعة القرار: المرحلة الثانية مصمّمة لتبقي “إسرائيل” وحدها صاحبة القرار في توقيت التنفيذ وشروطه، مستبعدة أي ضغط فلسطيني أو إقليمي مؤثر.
تتسم صناعة القرار في “إسرائيل” بتشابك سياسي-أمني-اجتماعي معقّد، ينعكس مباشرة على طريقة التعامل مع المرحلة الثانية من خطة ترامب في غزة. فهذه المرحلة لا تُدار كاستحقاق إنساني أو سياسي مستقل، بل كجزء من منظومة ضغط متعددة المستويات، تتحرك ضمنها الحكومة الإسرائيلية وعلى رأسها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وفق حسابات دقيقة.

  1. البيئة السياسية الداخلية:
    تعمل حكومة بنيامين نتنياهو ضمن ائتلاف هش يعتمد على توازنات دقيقة بين اليمين القومي، الحريديم، وأطراف من الوسط السياسي. هذا الواقع يدفع نتنياهو إلى تبنّي سياسة مراوغة محسوبة، تتيح له الحفاظ على شبكة أمانه السياسية، خصوصاً عبر التحكم بتوقيت الأزمات الكبرى، بما في ذلك حل الحكومة أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة إذا اقتضت مصلحته ذلك.
  2. البيئة الأمنية:
    ترتكز المقاربة الأمنية الإسرائيلية على اعتبار المرحلة الثانية مرحلة اختبار حاسم لا مرحلة انتقالية. وفي هذا الإطار، قدّم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، إلى الكابينت الأمني خطة عسكرية متعددة السيناريوهات للتعامل مع قطاع غزة، تُفَعَّل في حال مناورة حركة حماس بقضية نزع السلاح والتي سمّاها الإعلام الإسرائيلي “نزع السلاح الوهمي”، أو في حال كان موقف حركة حماس رفضاً مطلقاً لنزع سلاحها وفق الشروط الإسرائيلية.
    هذا التداخل بين التخطيط العسكري والتحضير السياسي يعكس أن “إسرائيل” لا تنظر إلى المرحلة الثانية بوصفها مساراً نحو التعافي أو الاستقرار، بل كمرحلة إعادة ضبط قسري للواقع في غزة، تُستخدم فيها القوة أو التهديد بها كرافعة لفرض الشروط، لا كخيار أخير.
  3. البيئة الاجتماعية والرأي العام:
    يشكل الرأي العام الإسرائيلي، وخصوصاً ضمن التيارات اليمينية، عامل ضغط إضافياً على الحكومة. فالإعلام الإسرائيلي السائد يروّج فكرة أن أي تساهل في ملف نزع السلاح يمثل تهديداً أمنياً مباشراً، ويصوّر المرحلة الثانية كاختبار لهيبة الردع الإسرائيلي. هذا المناخ يقلّص هامش المناورة السياسية أمام الحكومة، ويدفعها إلى التشدد في شروطها، خشية الظهور بمظهر الضعيف أو المتنازل أمام الجمهور.
    ٤. المناورة في مواجهة الضغوط الأميركية:

رغم وجود ضغوط من الإدارة الأميركية، وخصوصاً من مستشاري الرئيس ترامب جيرارد كوشنير وستيف ويتكوف، للدفع نحو إعادة إعمار متزامنة مع خطوات نزع السلاح، تحرص “إسرائيل” على إدارة هذا الضغط بحذر شديد. فهي تسعى إلى الموازنة بين الحفاظ على عدم الاصطدام مع الرئيس ترامب، وعدم التفريط بحقها في التفرد بقرار الحرب والسلم، مع محاولة امتصاص الضغوط الأميركية أو تأجيلها، إلى حين استكمال شروطها الأمنية أو إعادة ترتيب أوراقها السياسية الداخلية.
تنطلق الإدارة الأميركية، وخصوصاً عبر الدائرة المحيطة بترامب ممثلة بكوشنير وويتكوف، من مقاربة براغماتية ترى أن إعادة إعمار غزة واستقرارها يشكلان مدخلاً ضرورياً لمنع عودة الانفجار الأمني. ووفق هذه الرؤية، فإن نزع السلاح يجب أن يكون عملية متدرجة، خاضعة للرقابة، ومتزامنة مع مسارات إعادة الإعمار والإدارة المدنية في القطاع، لا شرطاً مسبقاً يعطل كل ما عداه.
هامش الحركة الأميركي:
حتى اللحظة، ما يزال الموقف الأميركي محكوماً بمحاولة إنتاج تسوية وسطية: وثيقة مشتركة، وآليات رقابة، ومراحل تنفيذ مرنة تتيح لـ”إسرائيل” الادعاء بتحقيق أهدافها الأمنية، وتمنح في الوقت نفسه الفلسطينيين نافذة إنسانية واقتصادية محدودة.
نجاح هذا المسار يبقى رهناً بمدى استعداد “إسرائيل” للتنازل عن فكرة الشرط المسبق، ومدى قدرة الأميركيين على تحويل رؤيتهم إلى ضغط فعلي لا مجرد مقترحات.
الخيارات الفلسطينية:
في مواجهة السلوك الإسرائيلي الساعي إلى تحويل المرحلة الثانية من مسار سياسي–إنساني إلى أداة ابتزاز أمني، تبرز الحاجة إلى مقاربة فلسطينية استراتيجية متكاملة، قادرة على تعطيل عملية التفريغ وإعادة فرض مضمون المرحلة الثانية كحزمة مترابطة:

  1. تقديم رؤية فلسطينية متكاملة للمرحلة الثانية: طرح رؤية واضحة ومتماسكة تتناول الانسحاب، والإعمار، والإدارة المدنية، ونزع السلاح ضمن إطار النقاش الفلسطيني الداخلي.
  2. فصل نزع السلاح عن منطق الشرط المسبق: تثبيت معادلة الالتزام مقابل الالتزام، بحيث يصبح نزع السلاح نتيجة لمسار سياسي ناجح وليس شرطاً لبدئه.
  3. استثمار التباين الأميركي-الإسرائيلي: دفع الوسطاء الأميركيين، وخصوصاً كوشنير وويتكوف، إلى استخدام نفوذهم للضغط على “إسرائيل” لقبول مسار متدرج ومتوازن.
  4. إعادة تعريف ملف الإعمار كقضية استقرار إقليمي: ربط الإعمار بالأمن والاستقرار الإقليمي لتوسيع شبكة المصالح وتقليل قدرة “إسرائيل” على التعطيل.
    ٥. تحييد سيناريو “نزع السلاح الوهمي”: اعتماد آليات شفافة ومتدرجة لإظهار الالتزام السياسي الفعلي، في حال تم التوافق فلسطينياً، ومنع “إسرائيل” من استخدام ذرائع عسكرية أو ابتزازية.
  5. إدارة الوقت كعامل ضغط: تحديد جداول زمنية واضحة، وربط التأخير الإسرائيلي بالكلفة السياسية والإعلامية، لتحويل الزمن إلى أداة ضغط بدل أن يكون عنصر استنزاف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى