أعمال حسن إبراهيم.. حداثة تشتغل على تفكيك الواقع وإعادة تركيبه

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
في تجربة الفنان حسن إبراهيم، لا يعمل اللون باعتباره قيمة جمالية مستقلة بل باعتباره حاملا للذاكرة ومخزنا للانفعالات ومجالا تتقاطع فيه التجربة الشخصية مع الذاكرة الثقافية، فاللون لا يصف شيئا خارج اللوحة بل يكشف عما تشكل داخل الذات عبر تراكم طويل من الإحساس والمشاهدة والعيش وتبدو المساحات اللونية وكأنها طبقات زمنية تتجاور دون أن تلغي إحداها الأخرى بل تتفاعل فيما بينها لتنتج سطحاً نابضاً بالحياة.
وقالت الناقدة أميرة ناجي في قراءة خصت بها “المراقب العراقي”: “ما يميّز هذا المسار البصري، أن اللون لا يأتي نتيجة قرار شكلي مسبق بل نتيجة إصغاء عميق لما يتحرك في الداخل وكأن الفنان يترك للذاكرة أن تقوده نحو بناء اللوحة، فتتشكل المساحات عبر فعل تراكمي هادئ وتظهر آثار المحو والإضافة والشفافية شواهد على زمن داخلي عاشته اللوحة قبل أن تستقر في صورتها النهائية، وهذا ما يمنح الأعمال كثافتها الشعورية وقدرتها على التواصل مع المتلقي دون وسائط تفسيرية مباشرة”.
وأضافت: ان “التجريد في أعمال الفنان حسن إبراهيم لا يقوم على القطيعة مع الواقع بل على إعادة تفكيكه وإعادة تركيبه من الداخل، فالعالم الخارجي حاضر لكنه محول ومصفى عبر الذاكرة، فلا نرى الأشياء كما هي بل كما بقيت في الوجدان بعد أن فقدت أسماءها المباشرة وتحولت إلى إحساس ولون ومساحة، وهذا النوع من التجريد لا يسعى إلى إلغاء المرجع بل إلى تعميقه والحفر في طبقاته الخفية”.
وتابع: “في هذا السياق تتجلى الذاكرة الثقافية عنصراً بنيوياً في التكوين، فالعلاقات الهندسية التي تتكرر في العديد من الأعمال لا يمكن فصلها عن جذورها الحضارية، فالمربعات والمستطيلات والتقسيمات الصارمة أحيانا تستحضر وحدات البناء الأولى لمدن وادي الرافدين وتعيد إلى الذهن عمارة الطين والزقورات وأرضيات المعابد القديمة، لكن هذه الإشارات لا تظهر على هيأة اقتباس أو استعادة مباشرة بل تتسلل إلى العمل طاقة كامنة تعمل من الداخل وتشكل بنية اللوحة دون أن تفرض نفسها مرجعاً بصرياً صريحاً”.
ولفتت الى ان “تجربة الفنان حسن إبراهيم لا يمكن قراءتها دون الإشارة إلى علاقته بالحداثة التشكيلية العراقية، فهناك أصداء بعيدة لتجارب رواد مثل جواد سليم وفائق حسن وشاكر حسن آل سعيد ومحمد مهر الدين، غير أن هذه الأصداء لا تظهر على مستوى الشكل بل على مستوى الرؤية واحترام الفكرة والبحث عن هوية بصرية لا تنفصل عن الجذور ولا تستسلم للتكرار، فالفنان لا يقف عند حدود التأثر بل يعبر تلك التجارب ليبني لغته الخاصة التي تميزه داخل المشهد المعاصر”.
وأوضحت: أن “تجربة الفنان حسن إبراهيم تفتح أمام المتلقي باباً للتأمل في العلاقة بين اللون والذاكرة وبين الموروث والحداثة، فاللوحة لا تستدعي الماضي أرشيفاً جاهزاً بل تعيد صياغته وتمنحه حياة جديدة داخل الحاضر البصري للعمل وهكذا تتحول اللوحة إلى مساحة زمنية مفتوحة تتداخل فيها الأزمنة دون أن تلغي إحداها الأخرى”.
وأشارت إلى أن “الفنان حسن إبراهيم يتعامل مع اللوحة كحقل تجريبي مفتوح لا كمنتج نهائي مغلق فآثار التعديل والتغيير تبقى أحياناً ظاهرة وكأن العمل يحتفظ بذاكرته الخاصة ولا يسعى إلى إخفائها وهذا الخيار يمنح اللوحة صدقها ويجعلها شاهداً على فعل التكوين ذاته لا على نتيجته فقط”.
وواصلت: “وفي زمن تتسارع فيه الصورة وتغدو الاستجابة البصرية آنية يقدم الفنان حسن إبراهيم تجربة مغايرة تقوم على التمهل والتراكم والبحث الداخلي تجربة لا تراهن على الإبهار السريع بل على الأثر البعيد الذي يظل يعمل في الوعي بعد مغادرة العمل وهذه القدرة على البقاء هي ما يمنح التجربة قيمتها ويجعلها جديرة بالتأمل”.
وبينت: إن “هذه التجربة لا تمثل حضوراً جمالياً فقط بل تشكل إضافة نوعية للمشهد التشكيلي لما تحمله من حساسية لونية عالية ورؤية فكرية متماسكة وصوت بصري مستقل، فالفنان يعرف كيف يصغي للموروث دون أن يسمح له بابتلاع صوته ويعرف كيف ينفتح على الحداثة دون أن يفقد جذوره ولهذا، فإن أعماله لا تقف عند حدود المتعة البصرية بل تقترح تجربة تأملية عميقة تجعل اللون أداة للمعرفة واللوحة فضاء لكتابة الذاكرة”.
وأكملت: “وهكذا تتحول أعمال الفنان حسن إبراهيم إلى محاولات متكررة لالتقاط أثر الإنسان في الزمن وأثر الزمن في الإنسان، حيث يصبح اللون ذاكرة صامتة واللوحة مساحة إنصات والكتابة البصرية فعلاً وجودياً يعيد ترتيب علاقتنا بالزمن وبالذات وبالعالم”.



