الترهل الوظيفي نزيف صامت يهدد الشريان المالي للدولة

بسبب سوء الإدارة والتخطيط
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
تعاني المؤسسات الحكومية في العراق ترهلا وظيفيا حادا بات واحداً من أبرز التحديات البنيوية التي تواجه البلد ، بعد أن بدأت انعكاساته المالية والإدارية تظهر بوضوح على خزينة الدولة وقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، وتأتي هذه الأزمة في وقت حساس يتزامن مع مؤشرات أزمة اقتصادية أوسع، دفعت الحكومة العراقية إلى التلويح بحزمة من الحلول والإجراءات التقشفية، تمثلت في رفع التعرفة الجمركية وزيادة بعض الضرائب، في محاولة لزيادة الإيرادات غير النفطية وتقليل العجز في الموازنة العامة.
ويرتبط هذا الواقع بشكل وثيق بانخفاض أسعار النفط من جهة، وبالتغيرات الجيوسياسية الإقليمية والدولية من جهة أخرى، وهي عوامل أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، ما يجعله اقتصاداً ريعياً هشاً أمام الصدمات الخارجية، هذا الاعتماد المفرط على مورد واحد ترافق مع تضخم كبير في حجم القطاع العام، حيث تشير التقديرات إلى أن عدد الموظفين في مؤسسات الدولة العراقية وصل إلى ما يقارب خمسة ملايين ، وهو رقم يفوق بكثير الحاجة الفعلية للجهاز الإداري والإنتاجي للدولة.
ويرى مراقبون أنه” في ظل هذه الأرقام، أصبحت الرواتب والأجور تشكل العبء الأكبر على الموازنة العامة، إذ تستنزف أكثر من نصف الإنفاق الحكومي السنوي، الأمر الذي يقلص بشكل كبير قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو مشاريع التنمية المستدامة، والبنى التحتية، وتحسين الخدمات العامة، كما أن هذا الواقع يحُدُّ من السياسة المالية، ويجعل أي هزة في أسعار النفط أو الإيرادات العامة سبباً مباشراً لاضطراب مالي واسع.”
وأضافوا إن” آثار الترهل الوظيفي بدأت تظهر بوضوح في معظم وزارات الدولة، حيث تعاني الكثير من المؤسسات تضخما في عدد الموظفين مقابل ضعف في الإنتاجية والكفاءة، مبينين أن هذا الخلل لا يعرقل فقط سير العمل والإنجاز، بل يثقل كاهل الخزينة العامة بنفقات تشغيلية مستمرة لا يقابلها مردود اقتصادي حقيقي، مؤكدين أن هذه المشكلة برزت بشكل أكبر في أغلب الوزارات التي تعتبر شبه معطلة تماماً نتيجة سوء الإدارة الحكومية.
ويُعد قطاع الصحة مثالاً واضحاً على إشكالية الترهل الوظيفي وسوء التخطيط في إدارة الموارد البشرية، فبحسب البيانات المتداولة، يضم هذا القطاع نحو 40 ألف طبيب مختص، و28 ألف طبيب أسنان، و35 ألفاً و500 صيدلي، إضافة إلى ما يقارب 115 ألفاً من ملاكات التمريض، فضلاً عن 5 آلاف و352 متعاقداً جديداً ، بالإضافة الى مئات الخريجين الذين ينتظرون التعيين في القطاع الحكومي امام شلل تام للقطاع الخاص.
وفي ذات السياق يرى الخبير الاقتصادي صالح مهدي الهماش في حديث لـ”المراقب العراقي” أن ” استمرار الترهل الوظيفي دون معالجات حقيقية يهدد الاستقرار المالي للدولة، ويقوض أية محاولات جادة للإصلاح الاقتصادي، فالتحديات الحالية تتطلب إدارة أكثر كفاءة للموارد المالية، وإعادة نظر شاملة في هيكل الجهاز الوظيفي، تقوم على أساس الكفاءة والإنتاجية والاحتياج الفعلي، لا على اعتبارات ظرفية أو ضغوط اجتماعية وسياسية.”
وأضاف الهماش ، أن” أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن إصلاح إداري متكامل، يشمل إعادة هيكلة المؤسسات، ومراجعة سياسات التعيين، وتفعيل مبدأ الكفاءة والقدرة على زيادة الإنتاج إلى جانب تشجيع القطاع الخاص ليكون شريكاً أساسياً في استيعاب الأيدي العاملة، وتقليل الاعتماد المفرط على الوظيفة الحكومية التي لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من الموظفين دون أن يشكل ذلك عبئاً إضافياً على الدولة.”
وأردف الهماش أن “سوء الإدارة والتخطيط بالإضافة الى البطالة المقنعة داخل مؤسسات الدولة وتخلف النظام المالي والاداري للدولة نتيجة عدم مواكبة التطور التكنولوجي العالمي والاعتماد على نظام كلاسيكي قديم في تعاملاته المالية تُعتبر من أهم الأسباب التي أدت الى تخلف الاقتصاد العراقي ” .
ويقف العراق اليوم أمام مفترق طرق إما أن يستمر في معالجة أزمته الاقتصادية بحلول مؤقتة وإجراءات ترقيعيه محدودة التأثير ، أو الشروع بإصلاحات هيكلية تعالج الترهل الوظيفي وتفعيل القطاع الخاص الذي بات ضرورة عملية ملحة لابد أن تُطبق على أرض الواقع من أجل وضع الاقتصاد الوطني على مسار أكثر استقراراً .



