المرجعية الدينية والتجربة الديمقراطية

محمد علي جواد تقي..
دأبت الديمقراطية في تأريخها الطويل في البحث عن المصاديق العملية، والارضية الصالحة لفهم هذه التجربة ثم تنميتها وتطبيقها عملياً، فكان لها شيء من النجاح في بعض البلدان، بينما كان لها الفشل في بلدان أخرى، ومنها الإسلامية، فخطر في أذهان بعض المفكرين في مسيرة هذه التجربة، أن من أسباب التعثّر والفشل؛ المتبنيات الدينية، وما تحمله شريحة كبيرة من العلماء والفقهاء في مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، من قناعة بصعوبة المواءمة بين النصوص الدينية المتحدثة عن مفهوم “الولاية الإلهية”، او القيادة، وما تنطوي عليه النظرية الديمقراطية من تقاسم مفترض –نظرياً- للقيادة وصنع القرار بين النخبة السياسية وجماهير الشعب، وإيجاد فرصة لما يسمى بالمشاركة السياسية، او المشاركة الجماهيرية في صنع القرار.
وفي ظل الإسقاطات والتناقضات التي مُنيت بها التجربة الديمقراطية في جميع أنحاء العالم، قدم علماء دين فهماً جديداً لهذه التجربة لقيادة المجتمع وفق مبدأ التعددية في ولاية مرجع الدين المستمدة شرعيتها من ولاية المعصوم، والتي هي بدورها منصوص عليها من قبل الله –تعالى- في القرآن الكريم.
النبي الأكرم يؤكد التعددية في ولاية مراجع الدين
وبالعودة الى ما لدينا من روايات عن المعصومين، عليهم السلام، تتكشف لدينا حقيقة أن التعددية، وهي أهم ركائز الديمقراطية، منصوصٌ عليها في أمر إدارة شؤون الأمة منذ عهد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، بما لا تدع أيّ مجال لظهور التفرّد والديكتاتورية.
هنا نكون أمام حكمة إلهية عظيمة في موضوع القيادة، فإن الله –تعالى- كشف للعالم والاجيال الى يوم القيامة أن الوليّ من قبله جهة او مدرسة واحدة، متمثلة بأهل البيت، عليهم السلام، فهم “الوليّ”، وليس ثمة أولياء متعددين، ويتفق العلماء والفقهاء على أن أمير المؤمنين، وأبناءه المعصومين، الامتداد الطبيعي لرسول الله. بل ونجد نفس التوجه لدى سائر المذاهب الاسلامية، ولكن بشكل مغلوط، عندما يربطون “الخلفاء”، والأمراء عندهم بالنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وأنهم يمثلونه في الحكم! غاضين النظر عما يفعله وما يعتقد به.
فعندما تكون الولاية خطٌا واحدا مرتبطا بالسماء، يضمن الناس –كل الناس في كل مكان- وحدة المصدر في التشريع والنظام والمعايير للبنية التحتية للفكر والعقيدة، ثم يأتي مراجع الدين ليشكلوا “ولايات” متعددة في عرض ولاية أهل البيت رسول، وليس في طولهم، لذاتية اكتسابهم للعلوم والمعارف، وليست الحالة “اللدنيّة” الموجودة لدى المعصومين، عليهم السلام، والمصدرية السماوية لها.
لذا نقرأ في رواية عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: “اللهم ارحم خلفائي، قيل من خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسنتي”، وهنا لا وجود لـ “خليفة”، إنما خلفاء متعددون له، صلى الله عليه وآله، “وهم العلماء ومراجع التقليد بعضهم في عرض البعض الآخر، ففي كل زمن هناك جمهرة من الذين جمعوا الصفات من مراجع التقليد الذين هم خلفاء رسول الله، وليس أحدهم في طول الآخر، أي ليس أحدهم تابعاً للآخر، او محكوماً له، ما دامت الكلمة التي أعطتهم الوكالة كلمة عامة”. (بحوث في العقيدة والسلوك).
نخرج بنتيجة مُفادها أن المرجعية الدينية منذ الايام الأولى لغيبة الامام المهدي القائم، عجل الله فرجه، وحتى اليوم أدت ما عليها من مسؤولية في قيادة الأمة بطريقة تعددية ناجحة، فهي تقدّس الدين والرسالة السماوية، ولا تقدس السلطة والحكم، ولا تجري وراءها، بل عملت على قلب هذه المعادلة تماماً.



