“متلازمة الفوضى” في السياسة الأمريكية (2016- 2026)

بقلم: ليلى نقولا..
في مقال نُشر عام 2016 في مجلة “ذا أتلانتيك” بعنوان “كيف جنّت السياسة الأمريكية؟”، يطلق الصحفي جوناثان راوتش، نظريةً يسميها “متلازمة الفوضى” في السياسة الأمريكية، والتي يُعرّفها على النحو الآتي: “متلازمة الفوضى هي تراجع مزمن في قدرة النظام السياسي على التنظيم الذاتي”.
تبدأ هذه المتلازمة بضعف المؤسسات والجهات الوسيطة -الأحزاب السياسية، والسياسيين المحترفين، وقادة الكونغرس ولجانه- التي لطالما حاسبت السياسيين أمام بعضهم البعض، ومنعت جميع أفراد النظام من السعي وراء المصالح الشخصية البحتة. ومع تضاؤل نفوذ هذه الجهات الوسيطة، يصبح السياسيون والناشطون والناخبون أكثر فرديةً وانعدامًا للمساءلة. يتفكك النظام، وتصبح الفوضى هي الوضع الطبيعي الجديد، سواء في الحملات الانتخابية أو في الحكومة نفسها.
وبالفعل، في عام 2016، لم يحظَ ترشيح دونالد ترامب بتأييد أي من قيادات الحزب الجمهوري، ولكن تمّ اختياره من قبل الناخبين العاديين في الانتخابات التمهيدية، ثم تمّ انتخابه رئيسًا (بشكل غير متوقع). حينها، وصف جيب بوش -أحد المرشحين المنافسين عن الحزب الجمهوري- ترامب بأنه “مرشح للفوضى” وسيكون “رئيسًا للفوضى”. لكن، راوتش يجادل: “لم يتسبب ترامب في الفوضى، بل الفوضى هي التي أتت بترامب”.
تُعد فكرة جوناثان راوش عن “متلازمة الفوضى” إطارًا تفسيريًا لفهم صعود دونالد ترامب وسلوكه في ولايته الأولى (2017- 2021)، وكيف كان انتخابه نتيجة الاستياء الشعبي من النخب التقليدية في كلا الحزبين. وإذا ما نظرنا إلى ولاية الرئيس جو بايدن المستقطعة، فنجد أنها تعبير واضح عن الفوضى في النظام المؤسسي الأمريكي. حالياً، انتقلت الولايات المتحدة الأمريكية من الفوضى البنيوية في النظام (التي تحدث عنها راوتش) إلى الفوضى المتعمدة التي يمارسها ترامب كأسلوب، والتي أدت إلى إضعاف دور المؤسسات، وإلى سياسة خارجية تتسم بعدم القدرة على التنبؤ بسلوك الولايات المتحدة.
–فترة الرئيس ترامب الأولى:
خلال فترته الأولى، عمد ترامب إلى تهميش وزارة الخارجية والقنوات الدبلوماسية التقليدية واستبدالها بدبلوماسية شخصية وعائلية قادها “جاريد كوشنر”.
وفي الشرق الأوسط، قام بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني ما ضرب مفهوم “استمرارية الدولة”. وفي فلسطين، نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وسار بمسار التطبيع كبديل عن حل الدولتين (الراسخ في المؤسسات الأميركية) واعترف بسيادة “إسرائيل” على الجولان السوري المحتل.
-فترة ترامب الثانية:
تحدث راوتش عام 2016، عن غياب الحواجز والوسطاء فحصلت الفوضى. لكن المراقبة لتفاعلات السياسة الأمريكية الداخلية، تشير إلى الانتقال من الفوضى البنيوية (2016) إلى الفوضى الناتجة عن الاستقطاب (جو بايدن) إلى الفوضى كأسلوب حكم (حالياً).
في ولايته الأولى، دخل ترامب وأجزاء من “الدولة العميقة” في صراع كبير. لذا، وفي اليوم الذي استلم فيه الحكم في كانون الثاني من عام 2025، بدأ بتحجيم الأجنحة التي حاربته في فترته الأولى.
في ولايته الثانية، يبدو أن ترامب يصنع الفوضى عمداً. قام ترامب بإقالة آلاف الموظفين الحكوميين، ويقوم بصنع السياسة عبر القرارات التنفيذية. يعتبر ترامب ومؤيدوه، أن تكسير الهياكل التقليدية يفكك الجمود الذي أدى إلى تآكل قوة أمريكا في العالم وسمح بصعود قوى أخرى (مثل الصين) والمنافسة في المسرح العالمي.
ولعل صنع الفوضى يتجلى في التعامل مع القضايا في الشرق الأوسط، فيبرز في الملف الإيراني مثلاً. في حزيران من عام 2025، قام الرئيس الأميركي بتصعيد عسكري وضربات جوية غير مسبوقة على منشآت إيران النووية، ثم عرض التفاوض بعد ساعات (على الرغم من أن التصعيد أتى في خضم عملية تفاوضية كانت تتقدم ولو ببطء). وفي كانون الثاني من عام 2026، يهدد ترامب بضربة عسكرية لإيران ثم يتراجع عنها، ويبقي الخيار العسكري على الطاولة.
بكل الأحوال، سواء كانت فوضى مقصودة من ترامب أو لا، يمكن القول، إن متلازمة الفوضى قد تحولت من “أزمة هيكلية” داخل الولايات المتحدة إلى “أسلوب حكم”. تكشف التجربة الأمريكية بحلول 2025 عن تحوّل الفوضى من نتيجة لتآكل الوسائط المؤسسية، إلى نمط حُكم داخل النظام السياسي نفسه، بغض النظر عن هوية الرئيس وبغض النظر عن أسبابها.



