الجباية تستثني أرباح المستثمرين وتستهدف قوت المواطن

بسبب ازدواجية النظام الضريبي
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
في وقت تتصاعد الضغوط الاقتصادية على المواطن العراقي، وتزداد فيه كلفة المعيشة مقابل دخل محدود، نتيجة فرض الرسوم والجباية على السلع والمواد الضرورية التي ترتبط ارتباطاً مباشرا بالمواطن، يعود ملف العدالة الضريبية إلى الواجهة بوصفه واحداً من أكثر الملفات تأثيراً على الاستقرار المالي والاجتماعي، فبينما يتحمل المواطن البسيط عبء الرسوم والضرائب المباشرة وغير المباشرة، ما تزال قطاعات استثمارية واسعة تحقق أرباحاً ضخمة دون أن تسهم بالشكل العادل برفد خزينة الدولة.
واحدة منها وبحسب مصادر نيابية أن” الشركات الاستثمارية للوحدات السكنية في عام 2024 كانت تمتلك نحو 200 الف وحدة سكنية، وبمعدل 70 مليون دينار للوحدة السكنية الواحدة، ووفق هذه الارقام، أن القيمة الكلية لهذه الوحدات تصل الى نحو 14 تريليون دينار عراقي بالإضافة الى أنه في حال فرض نسبة 15 بالمئة كإيرادات ضريبية على المستثمرين، فإن العائدات المتحققة ستبلغ قرابة 7 تريليونات دينار كإيرادات ضريبية على الوحدات السكنية فقط، دون احتساب قطاعات استثمارية أخرى لا تقل أهمية وربحية.
هذه الارقام تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول أسباب غياب سياسة ضريبية شاملة تطال المجمعات السكنية الاستثمارية، والمستشفيات الأهلية، والجامعات والكليات الاهلية، وهي مشاريع تحقق عوائد مالية كبيرة، وتعمل في بيئة اقتصادية مستقرة نسبياً، وتستفيد من تسهيلات حكومية متعددة، من تخصيص الاراضي الى الإعفاءات والدعم غير المباشر.
ويؤكد مختصون في المجال المالي أن” استمرار تحميل المواطن البسيط وحده تبعات العجز المالي، من خلال الضرائب والرسوم ورفع التعرفات الجمركية، يمثل خللاً واضحاً في مبدأ العدالة الاجتماعية، فالموظف أو العامل البسيط يدفع ضريبة الدخل ورسوم الخدمات، بينما تبقى أرباح بعض المستثمرين خارج دائرة الجباية الحقيقية، أو تخضع لضرائب شكلية لا تتناسب مع حجم نشاطها.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي أحمد الوائلي في حديث لـ”المراقب العراقي ” أن فرض الضرائب على المستثمرين ليس إجراءً عقابياً كما يصوره البعض، بل هو ركيزة أساسية لبناء اقتصاد متوازن، مضيفاً أن الاقتصاد الناجح يقوم على مبدأ توسيع القاعدة الضريبية، وليس زيادة العبء على فئة محددة، فالمستشفيات الاهلية والجامعات الاستثمارية تحقق أرباحاً سنوية كبيرة، وتستهدف شريحة واسعة من المواطنين، وبالتالي من المنطقي أن تكون جزءاً من المنظومة الضريبية العادلة”.
وأشار الى أن ” العوائد المتحققة من فرض ضرائب مدروسة على هذه القطاعات يمكن أن تسهم بتمويل مشاريع خدمية حيوية، مثل الصحة والتعليم والبنى التحتية، وتقلل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للإيرادات، كما أن ذلك يعزز ثقة المواطن بالدولة، حين يشعر أن الجميع يخضع للقانون ذاته دون استثناء”.
ولا يقتصر الامر على الوحدات السكنية، إذ إن قطاع المستشفيات الاهلية يشهد توسعا كبيراً في مختلف المحافظات، مع أجور علاج مرتفعة تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين، وكذلك الحال بالنسبة للجامعات والكليات الاهلية التي تستوفي أقساطاً سنوية بملايين الدنانير من الطلبة، دون أن يقابل ذلك التزام ضريبي واضح يتناسب مع حجم الإيرادات.
ويرى مراقبون أن” غياب رؤية ضريبية شاملة تُجاه هذه القطاعات يعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويكرس شعوراً عاماً بأن القانون يطبق بانتقائية، ومن هنا تبرز الحاجة الى تشريعات واضحة، والى إرادة سياسية حقيقية توازن بين تشجيع الاستثمار وحماية المال العام، دون الإضرار بالطبقات الهشة”.
وضمن هذا الواقع الاقتصادي، كشفت بيانات رسمية أن” حجم الاستثمار المحلي في العراق شهد نمواً ملحوظاً خلال السنوات الاخيرة، مع تسجيل مئات المشاريع في قطاعات مختلفة تعود للتجار وللأحزاب السياسية ، هذا التوسع يمثل فرصة حقيقية لرفد الموازنة العامة بإيرادات مستدامة، شريطة أن يقترن بسياسات ضريبية عادلة وشفافة، تضمن مساهمة المستثمر بقدر ما ينتفع، وتعيد توزيع العبء المالي بشكل مُنصف بين جميع القطاعات الاقتصادية”.



