اللاعب المحلي بين نارين!

بقلم/ رعد العراقي..
تعيش العلاقة بين اتحاد كرة القدم والأندية المحلية واحدة من أكثر مراحلها توترًا وتعقيدًا، لا سيما فيما يتعلّق بملف استدعاء اللاعبين المحليين للمنتخبات الوطنية، وخصوصًا خلال الاستحقاقات الدولية التي تُقام خارج أيام “فيفا دي” حيث لا يُلزم النظام الدولي الأندية بتفريغ لاعبيها. هذه الإشكالية، التي تبدو قانونية في ظاهرها، تُخفي خلفها أزمة أعمق تمس فلسفة كرة القدم العراقية وهويتها الوطنية.
في الماضي، كان استدعاء اللاعب للمنتخب يمثل أعلى درجات الفخر للنادي قبل اللاعب. لم تكن الأندية تعترض أو تساوم على عدد لاعبيها المدعوِّين، بل كانت ترى في ذلك شهادة نجاح لعملها الفني وقدرتها على صناعة النجوم. أندية مثل الزوراء والقوة الجوية والشرطة والطلبة شكّلت العمود الفقري للمنتخبات الوطنية، ومن خلالها اكتسبت جماهيريتها وتأريخها، لأن علاقتها بالمنتخب كانت علاقة تكامل لا صراع.
لكن مع دخول كرة القدم العراقية عالم الاحتراف، تغيّرت المعادلة. الأندية بدأت تبحث عن الإنجاز السريع، محليًا وخارجيًا، فاتجهت إلى استقطاب اللاعبين الجاهزين بعقود مالية كبيرة، وتراجع دور الفئات العمرية وصناعة “ابن النادي”. تحوّلت العلاقة مع اللاعب إلى عقد استثماري، وأصبح يُنظر إليه كـ”ملكية خاصة” لا يجوز المساس بها، حتى لو كان الاستحقاق وطنيًا.
في هذا السياق، وجد اللاعب نفسه مجرّدًا من أي رأي. هو مرتبط بعقد يخشى كسره، ولا يملك جهة تحميه إن اختار تلبية نداء المنتخب دون موافقة ناديه. وهكذا أصبح المنتخب آخِرَ من يُؤخذ برأيه، بينما يُترك اللاعب بين نارين: واجب وطني وخوف مهني.
زاد الأمر تعقيدًا غياب التنسيق والثقة بين الاتحاد والأندية. فلا سلطة واضحة للاتحاد، ولا علاقة ودّ وتفاهم، بل زاد الطين بلّة سوء إدارة الدوري. فوضى في المواعيد، إيقافات متكرّرة، تغييرات غير مبررة، رغم الوعود بأن يكون الدوري نموذجًا في التنظيم. تضرّرت الأندية فنيًا وبدنيًا، ووجدت نفسها مضغوطة بمباريات متراكمة وإصابات، ثم يُطلب منها التفريط بلاعبيها دون حلول أو تعويضات.
وسط هذا المشهد، انفجرت أزمة استدعاء اللاعبين، وكان آخرها أزمة المنتخب الأولمبي، التي كادت تهدد مشاركته القارية. وبعيدًا عن تحديد الجهة المسؤولة، والتي يتحمل اتحاد الكرة جزءًا كبيرًا منها، يبقى السؤال الأهم: هل يجوز معاقبة المنتخبات الوطنية بسبب صراع إداري؟
الأندية العراقية، مهما عظمت أسماؤها، تعتمد في تمويلها على المال العام. اللاعبون، قانونًا وواقعًا، هم نتاج هذا المال، وبالتالي فإن الاستحقاق الوطني يجب أن يتقدّم على أي استحقاق محلي، حتى لو تضرر النادي مؤقتًا. أمَّا محاسبة الاتحاد، فمكانها صناديق الانتخابات، لا إضعاف المنتخبات وتشويه سمعة الكرة العراقية.
باختصار.. نحن بحاجة إلى صوت العقل والجلوس تحت خيمة الوطن، وإعادة تعريف الأولويات، لأن كل اتحاد وكل نادٍ وُجد في النهاية ليخدم اسم العراق، لا ليكون سببًا في إضعافه. كرة القدم العراقية لا تحتاج مزايدات، بل تحتاج تضحية، وتنسيقًا، وشعورًا صادقا بأن الوطن أوّلاً.. دائمًا.



