اراء

«الأولويات والمهام الاستراتيجية لهيئة رئاسة البرلمان في مرحلة الانتقال السياسي»


بقلم: الدکتور مظهر حسن..
المقدمة
عقب إجراء الانتخابات وتشكيل هيئة الرئاسة، يدخل البرلمان مرحلةً حسّاسة من الحياة السياسية للبلاد، تتجاوز وظيفته فيها حدود التشريع المحض. ففي هذا المنعطف، يمكن لطريقة إدارة البرلمان أن ترسم مسار الاستقرار أو عدم الاستقرار الوطني. وتضطلع هيئة الرئاسة، بوصفها المنظِّم للنظام المؤسسي والتوازن السياسي، بدورٍ محوري في احتواء التوترات وتوجيه التنافسات. كما تؤثّر قرارات هذه الهيئة تأثيرًا مباشرًا في عملية بناء الدولة وتعزيز السلطة التنفيذية. ومن ثمّ، فإن تحديد أولويات هيئة الرئاسة وبرامجها يُعدّ ضرورةً استراتيجية لا غنى عنها.
1) ترسيخ السلطة المؤسسية ووظيفة البرلمان
تتمثّل الأولوية الأولى لهيئة الرئاسة في إعادة البرلمان إلى مكانته الحقيقية بوصفه المؤسسة المحورية لاتخاذ القرار. فبعد الانتخابات وما رافقها من تنافسات سياسية حادّة، يبرز خطر إضعاف هيبة البرلمان نتيجة الصراعات الفئوية. ويتعيّن على هيئة الرئاسة، من خلال الإدارة المنظّمة للجلسات، وتطبيق الحياد العملي، والتنفيذ الدقيق للنظام الداخلي، أن تمنع تعطيل مسار التشريع. إن تعطيل الجلسات أو تأجيلها المتكرر يبعث برسالة ضعف مؤسسي إلى المجتمع والفاعلين السياسيين. ويُعدّ ترسيخ سلطة البرلمان شرطًا لازمًا للانتقال الآمن إلى المراحل الحسّاسة اللاحقة؛ فمن دون هذا الترسيخ لا يمكن لأي عملية سياسية مستدامة أن تتشكّل. وتُعدّ هذه الأولوية أساسًا لسائر الأولويات الأخرى.
2) تفعيل التشريع والرقابة على نحوٍ هادف
يواجه البرلمان بعد الانتخابات توقّعاتٍ مجتمعية مرتفعة لاتخاذ إجراءات عملية. وعلى هيئة الرئاسة، عبر تحديد جدول أعمال محدود وواقعي، أن تحول دون التشتّت التشريعي. وينبغي أن ينصبّ التركيز على القوانين الحيوية، كالموازنة، والخدمات العامة، والقضايا العاجلة للبلاد. كما يجب أن تكون الرقابة البرلمانية مهنية ومتمحورة حول القضايا، لا أداةً للضغط السياسي. فالرقابة المتسرّعة أو الفئوية قد تُضعف الحكومة وتفاقم عدم الاستقرار. والهدف هو إصلاح الأداء التنفيذي لا خلق مواجهة دائمة. إن كفاءة التشريع والرقابة تؤثّر مباشرةً في مستوى الثقة العامة.
3) الإدارة المسؤولة لعملية انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء
إن انتخاب رئيس الجمهورية ومنح الثقة لرئيس الوزراء من صميم اختصاصات البرلمان، غير أن تنفيذ ذلك يتطلّب نضجًا سياسيًا. وعلى هيئة الرئاسة أن تُقيم توازنًا بين التسرّع والتأجيل غير المبرّر. فالشروع في هذه العملية من دون حدٍّ أدنى من التوافق يعرّضها لخطر انهيار النصاب وتصاعد التوترات. وفي المقابل، فإن التأخير المفرط يؤدّي أيضًا إلى عدم الاستقرار. ويتمثّل دور هيئة الرئاسة في تهيئة بيئة آمنة لعملية بناء الحكومة، وهو ما يستلزم إدارةً للفضاء السياسي لا مجرد تطبيقٍ شكلي للقانون. ويُعدّ النجاح في هذا المحور الاختبار الأهم لهيئة الرئاسة.
4) إدارة الخلافات الكتلوية وتنظيم التنافس السياسي
يعكس التكوين الجديد للبرلمان توازنًا هشًّا للمصالح السياسية. والخلاف بين الكتل أمر طبيعي، غير أن تحوّله إلى انسدادٍ مؤسسي يُعدّ خطرًا جسيمًا. وعلى هيئة الرئاسة أن تؤدي دور منظِّم التنافس، لا حكمًا سياسيًا لصالح تيار بعينه. وتُعدّ الاستفادة الذكية من النظام الداخلي، والحوار غير العلني، والتوقيت الدقيق للجلسات، أدواتٍ أساسية لهذه الإدارة. فالهدف ليس إلغاء الخلاف، بل ضبط آثاره. ومن دون إدارة الخلاف، يتحوّل البرلمان إلى ساحة صدام قد تُشلّ منظومة اتخاذ القرار برمّتها.
5) صون استقلال البرلمان في مواجهة الضغوط غير الرسمية
عقب الانتخابات، تُمارَس بعض الضغوط السياسية عبر قنوات غير رسمية. ويتعيّن على هيئة الرئاسة حماية البرلمان من الضغوط الأمنية والإعلامية وضغوط الشارع. وأي تراجع أمام هذه الضغوط من شأنه إضعاف سلطة البرلمان. كما أن التنسيق المؤسسي مع الحكومة والجهات المعنية ضروري لاحتواء هذه التهديدات. إن الصمت أو اتخاذ مواقف متناقضة يبعث برسائل ضعف. ويُعدّ استقلال البرلمان شرطًا لمصداقية قراراته؛ فبدونه يتحوّل إلى أداة بيد الفاعلين الخارجيين.
6) إدارة الرأي العام وإعادة بناء الثقة بالبرلمان
تكون الثقة العامة بالبرلمان بعد كل انتخابات في وضعٍ بالغ الحساسية. وعلى هيئة الرئاسة، عبر سياسة تواصل منسجمة، أن تمنع تشويه صورة المجلس. فالخلافات العلنية والصراعات الإعلامية تُبدّد الرأسمال الاجتماعي للبرلمان. وتُعدّ الشفافية في توضيح القرارات وتجنّب الرسائل المتناقضة أمرًا ضروريًا. فالمجتمع ينتظر نتائج ملموسة لا مجرّد نزاعات سياسية. وينبغي أن تكون الرواية الرسمية للبرلمان هادئة ومسؤولة وجامعة. وتمثّل إدارة الرأي العام جزءًا من الواجبات المؤسسية لهيئة الرئاسة.

7) منع انتقال الصراع السياسي إلى المجال الأمني

من أكثر مهام هيئة الرئاسة حساسيةً الحيلولة دون أمننة الخلافات السياسية. فأي انسداد مؤسسي قد يدفع التنافس إلى الشارع. وتكتسب الإدارة الرشيدة للجلسات وخفض حدّة التوترات العلنية أهميةً بالغة. كما أن الحفاظ على قنوات الحوار بين التيارات أمرٌ لا غنى عنه. ولا ينبغي للبرلمان أن يتحوّل إلى محرّك لأزمة أمنية. وهذه المسؤولية تتجاوز الخلافات الفئوية؛ فالنجاح في هذا المجال يضمن استقرار البلاد.

الخلاصة

في هذا الظرف، لا تؤدي هيئة رئاسة البرلمان دور مدير مؤسسة تشريعية فحسب، بل تضطلع بدور منظِّم توازنات القوة في مرحلةٍ هشّة من الحياة السياسية للبلاد. إن العبور الناجح من مرحلة ما بعد الانتخابات يستلزم ترسيخ السلطة المؤسسية للبرلمان ومنع تآكل وظيفته في خضمّ الصراعات الفئوية. كما أن إدارة هيئة الرئاسة لعملية انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وبناء الحكومة، إذا لم تُدار بتوافقٍ واسع وحسن توقيت، قد تتحوّل إلى مصدرٍ لعدم الاستقرار وتُخلّف كلفًا أمنية واجتماعية. ويُعدّ دور هيئة الرئاسة في مواءمة الرقابة البرلمانية مع استقرار الحكومة عاملًا حاسمًا في تحديد القدرة التنفيذية للحكم. إن صون استقلال البرلمان في مواجهة الضغوط غير الرسمية يحفظ الحدّ الفاصل بين الحوكمة المؤسسية وسياسة الشارع. وفي الوقت ذاته، تُكمّل إدارة الرأي العام وإعادة بناء الثقة الاجتماعية السلطةَ القانونية للبرلمان. وفي المحصّلة، فإن نجاح هيئة الرئاسة في ترسيخ قواعد اتخاذ القرار سيحوّل البرلمان إلى محورٍ دائم للاستقرار السياسي، لا إلى ساحةٍ لأزمات متكرّرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى