اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

الإيرادات غير النفطية.. أموال طائلة تُبحر بعيداً عن سفينة الموازنة

رغم استقطاعات الرسوم من المواطن


المراقب العراقي / أحمد سعدون..
يواجه الاقتصاد العراقي واحدة من أخطر مراحله في ظل استمرار التحذيرات من هشاشة البنية المالية، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من عجز مزمن قد يقود لفقدان الموظفين رواتبهم دون مصارحة حكومية للشعب للكشف عن حجم المخاطر التي يمر بها البلد ، في ظل الاعتماد شبه المطلق على النفط كمصدر رئيس للإيرادات، ورغم تكرار الدعوات الحكومية لتنويع مصادر الدخل، ما تزال الإيرادات غير النفطية تشكل حلقة غامضة في منظومة المالية العامة، إذ تُستحصل دون أن تترك أثراً ملموساً في التنمية أو تحسين الخدمات.
ويعتمد العراق منذ عقود على الاقتصاد الريعي، حيث تشكل عائدات النفط النسبة الأكبر من إيرادات الموازنة العامة، وتخضع هذه العائدات لهيمنة أمريكية، في المقابل تُعد الإيرادات غير النفطية مثل عوائد المنافذ الحدودية، الضرائب، الرسوم الخدمية، إيرادات البلديات، المرور، الصحة، والتعليم ـ أموالًا محلية يُفترض أن تدخل مباشرة إلى الخزينة العامة، إلا أن مسارها بعد التحصيل يظل غير واضح.
ورغم أن الحكومات المتعاقبة تعلن بين فترة وأخرى أرقاماً عن حجم هذه الإيرادات، فإن السؤال الأهم لا يزال معلقاً ، أين تُصرف هذه الأموال؟ ولماذا لا تنعكس على واقع البنى التحتية أو مستوى الخدمات المقدمة للمواطن؟ فغياب مشاريع واضحة تمول من هذه الموارد يعزز الشكوك بشأن وجود خلل في آليات الصرف والرقابة.
المفارقة أن هذه الإيرادات، من حيث المبدأ، تمثل فرصة حقيقية لتقليل الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد أكثر توازنًا، من خلال ما يراه المواطن عند مراجعته الدوائر الخدمية مثل الضرائب والمرور وغيرها حيث يتم استقطاع مبالغ كبيرة ولكن لا يُعرف اين تذهب هذه الاموال ، ضعف الشفافية وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات الحكومية، إلى جانب غياب نظام محاسبي موحد، يجعل من هذه الموارد عُرضة للهدر والتسرب داخل شبكات الإنفاق الإداري والسياسي، كما أن تعدد الجهات التي تتولى التحصيل دون وجود منصة مركزية موحدة للتدقيق والمتابعة، يفتح الباب أمام تضارب البيانات وضياع المسؤوليات.
وفي السياق ذاته يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة المستنصرية د.أحمد هذال في حديث لـ”المراقب العراقي” أن” المؤشرات المالية تؤكد أن الإيرادات غير النفطية لا تزال عند مستويات متدنية قياساً بحجم الاقتصاد إذ لا تتجاوز مساهمتها حالياً نحو 11 بالمئة من إجمالي الإيرادات العامة في حين تستهدف الاصلاحات المالية رفعها الى ما لا يقل عن 25 بالمئة وهو هدف قابل للتحقق اذا ما جرى إصلاح ادوات التحصيل لا زيادة الاعباء.”
وأضاف، إن” البيانات تؤكد أن الإيرادات الضريبية فقط لا تتجاوز 3.7 تريليونات دينار سنوياً رغم أن الوعاء الضريبي الحقيقي يسمح بالوصول الى أكثر من 10 تريليونات دينار في حال تحقيق امتثال لا يقل عن 70‎%‎ من المكلفين غير المتحاسبين وهو ما يكشف أن فجوة الإيرادات ناتجة بالأساس عن ضعف الاتمتة والتهرب لا عن ضعف النشاط الاقتصادي.”
ولفت الى أن ” المؤشرات الجمركية توضح أن جزءاً كبيراً من الإيرادات يتسرب بسبب عدم التفعيل الكامل لنظام الاسيكودا وضعف الربط بين المنافذ والهيأة العامة للضرائب، الامر الذي يسمح بازدواج الفواتير والتلاعب بالقيم ونوع البضائع وأن تطبيق الربط الآلي بين الجمارك والضرائب يمكن أن يرفع الإيرادات الجمركية والضريبية بنسبة تتراوح بين 20 الى 30 بالمئة خلال فترة قصيرة”.
وفيما يتعلق بالجبايات الخدمية ، أكد هذال أن” نسب التحصيل الفعلي لا تزال دون 60‎%‎ في قطاعات الكهرباء والماء والبلديات رغم أن تحسين الاتمتة وربط الجباية بجودة الخدمة يمكن أن يرفع التحصيل الى أكثر من 80‎%‎ دون تعديل التعرفة وهو ما يعني زيادة الإيرادات دون صدمة اجتماعية”.
والخروج من هذا المأزق، حسب ما يراه المراقبون، يتطلب إرادة سياسية حقيقية لإعادة هيكلة إدارة الموارد غير النفطية، عبر إنشاء نظام رقابي شفاف، وتوحيد آليات التحصيل، ونشر بيانات تفصيلية للرأي العام، وربط الصرف بمشاريع تنموية محددة يمكن قياس أثرها، فدون ذلك، سيبقى الاقتصاد العراقي أسير النفط، وستظل الإيرادات المحلية مجرد أرقام تُذكر في البيانات الرسمية دون أن تُترجم إلى واقع يلمسه المواطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى