التقوى لباس الأحرار


قال أمير المؤمنين عليه السلام :”التقوى أزكى زراعة””التقوى رأس الحسنات””التقوى رئيس الأخلاق” “التقوى مفتاح الصلاح”.”التقوى ظاهرها شرف الدنيا وباطنها شرف الآخرة” فما التقوى؟ يفترض الكثيرون أن التقوى من الوقاية، والوقاية تعني الحذر والاحتراز والبعد والاجتناب فهي إذن سيرة عملية سلبية، وكلما كان الحذر أكثر كانت التقوى أكمل!وعلى هذا التفسير تكون التقوى هي سيرة عملية سلبية لا إيجابية. ولهذا نرى أن المتظاهرين بالتقوى يحذرون التدخل في أي عمل، حرصا على سلامة تقواهم!ولا شك أن الحذر والاجتناب هو من أصول الحياة للإنسان العاقل، فإن الحياة لا تخلوعن مقارنة بين السلب والإيجاب والنفي والإثبات والفعل والترك والإقدام والإحجام. بل لا يصل الإنسان إلى الإيجاب إلا عن طريق السلب ولا إلى الإثبات إلا بعد النفي، وليست كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، إلا كلمة جامعة بين النفي والإثبات، ولا يمكن إثبات التوحيد إلا بعد نفي ما سوى الله تعالى. ولذلك نرى أن الإيمان والكفر مقترنان والطاعة والعصيان ملتزمان، أي أن كل طاعة يقابلها معصية، وكل إيمان يقابله كفر: “… فمنْ يكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللّهِ فقدِ اسْتمْسك بِالْعُرْوةِ الْوُثْقى..” ولكن البعد والنفي والعصيان والكفر لا تصح إلا للعبور إلى أضدادها، أي القرب والإيمان فالسيرة العملية السلبية بلا حدود ولا قيود ولا أهداف، ليست مقدسة ولا يحمد عقباها. يقول الإمام عليه السلام “.. ذمتي بما أقول رهينة، وأنا به زعيم! إن من صرحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن التقحم في الشبهات.. ألا وإن الخطايا خيل شُمس حمل عليها راكبها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار… ألا وإن التقوى مطايا ذُلُل حمل عليها راكبها وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة..”فقد وصف الإمام عليه السلام التقوى في خطبته هذه بأنها: حالة روحية معنوية من آثارها ضبط النفس وامتلاك أزمتها، وأن من لوازم إتباع الهوى وترك التقوى هو انعدام الشخصية وضعف النفس أمام هواها وعند حركة شهو اتها، وأن فاقد التقوى حينئذ يكون كراكب ضعيف لا إرادة له في تسيير مركبه، بل المركب هو الذي يسير حيث يشاء ويهوى، وأن من لوازم التقوى قوة الإرادة وامتلاك الشخصية المختارة، كراكب ماهر على فرس مدرب يسير به في الناحية التي يختارها بكل اقتدار وسلطة، فيطيعه الفرس بكل يسر.فالتقوى في نهج البلاغة: “قوة روحية تتولد للإنسان من التمرين العملي الذي يحصل من الحذر المعقول من الذنوب”. فالحذر المعقول والمنطقي يكون مقدمة للحصول على هذه الحالة الروحية، وهو – من ناحية أخرى – من لوازم حالة التقوى ونتائجها.”.. إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته، حتى أسهرت لياليهم، وأظمأت هواجرهم” .”فإن التقوى في اليوم الحرز والجنة، وفي غد الطريق إلى الجنة” نرى أن الإمام عليه السلام قد عطف نظره في هذه الكلمات إلى الناحية الروحية والنفسية والمعنوية للتقوى وآثارها في الروح، بحيث تبعث فيه الإحساس بحب البر والطهر، والإحساس بالتذمر من الذنوب والأرجاس والأنجاس. وهناك كثير من الناس لا يفرقون بين (الوقاية) و(القيود) ولذلك فهم يفرون من التقوى باسم التحرر من القيود والخروج عن الحدود.. ولا شك أن الجدار الواقي يشترك مع السجن في أنهما كليهما مانعان، ولكن الجدار الواقي يمنع عن الخطر، في حين أن السجن يمنع عن التمتع بالنعم والمواهب المعدة للإنسان.ويصرّح في بعض كلماته أن التقوى ليست قيودا تمنع عن التحرر بل هي منبع الحريات الواقعية وأساسها ومنشؤها.”.. فإن تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كل ملكة، ونجاة من كل هلكة..” فالتقوى تهب للإنسان حرية معنوية، تحرره من أسر عبودية الهوى، وترفع عن رقبته حبال الحسد والحقد والطمع والشهوة، فنجد البعض يخضع للدنيا والمال والمقام والراحة “فهو عبد لها ولمن في يده شيء منها” بينما لا يخضع التقي وهو حر أبدا. بل يصر نهج البلاغة على أن التقوى وثيقة تضمن للإنسان نوعا من الأمن من الزلل والفتن، وفي نفس الوقت يلفت نظر الإنسان إلى أنه أيضا يجب عليه أن لا يغفل لحظة عن حراسة التقوى، فإن التقوى وإن كانت واقعية للإنسان فمع ذلك يجب على الإنسان أيضا أن يكون واقيا لها بنوع من المحافظة المتقابلة بين الإنسان والثياب، إذ الإنسان يحافظ عليها من التمزق والسرقة، وهي تحافظ على الإنسان من الحر والبرد والبأس والبؤس، ولقد عبّر القرآن الكريم أيضا عن التقوى باللباس فقال: “.. ولِباسُ التّقْوى ذلِك خيْرٌ..”. وقال الإمام علي عليه السلام بهذا الصدد:”… أيقظوا بها نومكم واقطعوا بها يومكم وأشعروها قلوبكم وارحضوا بها ذنوبكم.. ألا فصونوها وتصوّنوا بها…” وقال عليه السلام: “.. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإنها حق الله عليكم، والموجبة على الله حقكم. وأن تستعينوا عليها بالله، وتستعينوا بها على الله..” إن للتقوى آثارا عظيمة على الإنسان في الدنيا والآخرة، وسنشير هنا إلى بعض الآثار الدنيوية كالتيسير والتسهيل.. إن الحياة في المساحة التي تدخل ضمن حدود اللّه حياة مباركة، كثيرة البركات، ميسّرة بعيدة عن التعقيدات، وعكس ذلك العيش خارج حدود التقوى، فهو مقرون بالعسر والضنك والشدة والتعقيد. وقد قسّم اللّه تعالى للناس من الرحمة والبركة والفرج والتيسير والتسهيل في دائرة التقوى، وضمن حدود اللّه ما لا يرزقه احد خارج هذه المساحة. يقول تعالى : “ولوْ أنّ أهْل الْقُرى آمنُواْ واتّقواْ لفتحْنا عليْهِم بركاتٍ مِّن السّماء والأرْضِ ولكِن كذّبُواْ فأخذْناهُم بِما كانُواْ يكْسِبُون” ويجعل اللّه تعالى للناس في حياتهم بالتقوى فرجا من كل ضيق، ومهما ضاقت عليهم مسالك الحياة فرّجها اللّه تعالى لهم بالتقوى. يقول تعالى: “ومن يتّقِ اللّه يجْعل لّهُ مخْرجا” والأمن والسلام بين الناس منطقة التقوى هي منطقة أمينة ينعم فيها الإنسان بالأمن والسلام في الدنيا والآخرة.



