مفهوم زيارة الإمام الحسين عليه السلام وأبعادها


عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه قال: “من أراد أن يكون في جوار نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم وجوار عليّ وفاطمة, فلا يدع زيارة الحسين بن عليّ عليهما السلامة”.أكّد الأئمّة عليهم السلام زيارة الإمام الحسين عليه السلام, وقاموا هم بزيارته كما قام شيعتهم عبر التاريخ بذلك, فزاروه من أقصى البلاد وأبعدها فضلاً عن القريب منهم, ومن لم يستطع إتيانه كان يزوره عن بعد كما أمر الأئمّة عليهم السلام بذلك.وهذه الظاهرة الفريدة تستوقف الإنسان للنظر في أبعادها ودلالتها المختلفة فمن المفاهيم التي اشتملت عليها الزيارة:أولا: الأصول العقائديّة,, احتوت نصوص الزيارات على تمجيد الله وتسبيحه وتنزيهه, بما يعزّز ثقافة التوحيد بعدّه الركيزة الأولى لهذا الدّين الإلهيّ, كما احتوت على التوجّه للإمام الحسين عليه السلام من خلال اتصاله برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين ووراثاتهم, وهو ما يعزّز ثقافة النبوّة, كما تحدّثت الزيارة عنه عليه السلام كإمام قاد الأمّة نحو عزّتها وكرامتها, ينتمي إلى أهل البيت عليهم السلام بما يؤكّد دور الإمامة وثقافتها: “السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله, السلام عليك يا وارث نوح نبيّ الله, السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله, السلام عليك يا وارث موسى كليم الله, ألخ.. )ثانيا: التولّي والتبرّي.. تحدّثت الزيارات عن شهادة الإمام عليه السلام وأصحابه ودورهم الذي قدّموه, وإعلان الزائر الموالاة للإمام عليه السلام الممثّل لخطّ الحقّ والشريعة, والبراءة من أعدائه الذين يمثّلون خطّ الباطل على مرّ العصور: “فلعن الله أمّة قتلتك, ولعن الله أمّة ظلمتك, ولعن الله أمّة سمعت بذلك فرضيت به” ثالثا: الواجبات والوظائف الدينيّة.. “أشهد أنّك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله ورسوله حتّى أتاك اليقين” .رابعا:البعد العبّادي في الزيارة..الزيارة عمل يُراد من خلاله ربط الزائر بمفاهيم إسلاميّة خاصّة وتذكيره بها وتجديد صلته بها, ولذلك كانت أمراً عباديّاً وليس عملاً ترفيهيّاً. ومن هنا ورد الأجر الكبير والثواب الجزيل لزائر الحسين عليه السلام.روي أن الامام الصادق (ع)انه كان يدعو بهذا الدعاء”اللهمّ إنّ أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا، فارحم تلك الوجوه التي غيَّرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تتقلّب على حفرة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا. اللهمّ إنّي أستودعك تلك الأبدان وتلك الأنفس، حتّى توافيهم من الحوض يوم العطش”. فما زال يدعو وهو ساجد بهذا الدعاء، فلمّا انصرف قلت: جعلت فداك, لو أنّ هذا الدعاء الذي سمعت منك كان لمن لا يعرف الله عزَّ و جلّ لظننت أنّ النّار لا تطعم منه شيئاً أبداً، والله لقد تمنّيت أنّي كنت زرته ولم أحجّ، فقال لي: “ما أقربك منه! فما الذي يمنعك من زيارته؟”. ثمّ قال: “يا معاوية, ولم تدع ذلك”، قلت: جعلت فداك, لم أدر أنّ الأمر يبلغ هذا كلّه، فقال: “يا معاوية, من يدعو لزواره في السماء أكثر ممّن يدعو لهم في الأرض” خامسا: البعد السياسيّ في الزيارة..فقد كانت الزيارة أسلوباً من الأساليب التي كان الأئمّة عليهم السلام يوجّهون الناس من خلالها لحفظ الخطّ الحسينيّ الذي يمثّل الإسلام الصحيح, في قبال السلطة الحاكمة التي كانت تمثّل التيّار الفاسد والمنحرف عن خطّ الإسلام.وقد تنبّهت السلطات آنذاك إلى خطورة هذا الأمر فقامت بمنع الزائرين من الوصول إلى ضريحه المقدّس, وقد تمثّل ذلك من خلال أمرين:الأمر الأوّل: وضع الشرط والجواسيس على الطرق المؤدّية إلى كربلاء لمنع الزائرين من الوصول إلى مرقده الشريف, وكانوا ينزلون بهم أشدّ ألوان العقوبات من سلب الأموال وقطع الأيدي والقتل..الأمر الثاني: محاولة إخفاء القبر الشريف من خلال هدمه وإجراء الماء عليه, لتزول معالم الزيارة من رأس.وهو ما يدلّل على مدى مضايقة السلطة الحاكمة من ظاهرة الزيارة ومدى إحساسها بخطورة هذا التيّار.عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: “إذا أردت زيارة الحسين عليه السلام فزره وأنت كئيب حزين مكروب، شعث مغبّر، جائع عطشان، فإنّ الحسين قُتل حزيناً مكروباً شعثاً مغبّراً جائعاً عطشان..”.



