اراء

2026 عام التنين الصيني.. اختبار حدود النفوذ في النظام الدولي

بقلم: الدكتور وائل عوّاد..
مع مطلع العام الجديد، الذي يتزامن مع عام التنين في التقويم الصيني-رمز القوة والهيبة في الثقافة الصينية- أعلن الجيش الصيني أنه”أكمل بنجاح” تدريبات عسكرية واسعة صُممت لمحاكاة فرض حصار على تايوان الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي وتنفيذ ضربات ضد أهداف بحرية، في خطوة تعكس تصعيدًا محسوبًا في الرسائل العسكرية والسياسية لبكين.
ورغم أن الرئيس الصيني شي جين بينغ لم يذكر تايوان صراحة في خطابه، فإن لغة الخطاب ومضامين التدريبات عكست بوضوح الموقف الصيني التقليدي القائم على اعتبار تايوان جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الصينية، رغم أن بكين لم تحكم الجزيرة فعليًا في أي مرحلة تاريخية.
التوتر تصاعد بشكل ملحوظ عقب التصريحات الصادرة من تايبيه التي أكدت «أنه “لا عودة إلى الصين” وهو ما بدا أنه شكّل صدمة سياسية لشي جين بينغ في توقيت حساس، خاصة مع تزايد الدعم الغربي لتايوان. وفي هذا السياق، برز الدور الياباني بشكل لافت، إذ وجّهت طوكيو رسائل ردع واضحة لبكين عبر تعزيز تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة وتكثيف وجودها الدفاعي في محيط المضيق، فيما وصفه مراقبون بأنه “درس استراتيجي” لحدود القوة الصينية.
كل ذلك يطرح تساؤلًا جوهريًا:
هل يقود عام التنين الصيني إلى استعراض قوة محسوب، أم أنه ينذر بانزلاق تدريجي نحو مواجهة كبرى في شرق آسيا، قد تعيد رسم موازين القوى العالمية؟
مع بروز المجال البحري في أعماق البحار كساحة تنافس متصاعد بين الصين والولايات المتحدة، بات قادة دول الآسيان يدركون بشكل متزايد حجم التحديات التي يواجهونها في مراقبة هذه التطورات وإدارتها بفعالية، في ظل تعقيدات أمنية وتقنية تفوق قدرات الرقابة التقليدية، وتفرض عليهم موازنة دقيقة بين المصالح الوطنية وضغوط التنافس بين القوى الكبرى.
أضف إلى ذلك، في ظل تصاعد النفوذ الصيني عسكريًا واقتصاديًا، تتزايد التساؤلات حول قدرة بكين على فرض إرادتها على القوى الكبرى. غير أن التجربة الدولية خلال الأعوام الأخيرة تُظهر بوضوح أن الولايات المتحدة والهند تمثلان حالتين استثنائيتين يصعب على الصين إخضاعهما أو احتواؤهما، سواء عبر الضغط الاقتصادي أو الاستعراض العسكري أو أدوات النفوذ السياسي.
أولًا، الولايات المتحدة تنظر إلى الصين بوصفها المنافس الاستراتيجي الأول على قيادة النظام الدولي، وليس مجرد خصم مرحلي. وتستند واشنطن إلى شبكة تحالفات عابرة للقارات، وقدرات عسكرية متفوقة، وهيمنة تكنولوجية ومالية تجعلها أقل عرضة للابتزاز الصيني. ولهذا، لم تتردد الإدارات الأمريكية المتعاقبة في توجيه انتقادات علنية لبكين بشأن قضايا تايوان، وحقوق الإنسان، وحرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، رغم الردود الصينية الحادة التي تصف هذه المواقف بـ”التدخل في الشؤون الداخلية”.
أما الهند، فتمثل تحديًا من نوع مختلف. فهي قوة صاعدة تمتلك استقلالية استراتيجية راسخة، وترفض الانخراط في أي محور تقوده قوة واحدة، بما في ذلك الصين. ورغم العلاقات الاقتصادية بين نيودلهي وبكين، فإن الخلافات الحدودية، ولا سيما في الهيمالايا، رسّخت قناعة هندية بأن الاحتواء الصيني يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي. لذلك، توازن الهند بين تعزيز قدراتها الذاتية، والانفتاح المدروس على الشراكات مع الولايات المتحدة والغرب، دون الوقوع في تبعية سياسية.
في مواجهة الانتقادات الدولية، تعتمد بكين خطابًا مزدوجًا: تصعيد إعلامي ودبلوماسي في العلن، يقابله ضبط محسوب للسلوك الاستراتيجي في الميدان. فرغم اللهجة الحادة، تدرك الصين أن الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن أو نيودلهي يحمل مخاطر كبرى على استقرارها الاقتصادي ومكانتها العالمية، خاصة في ظل تباطؤ النمو الداخلي وتحديات الأسواق العالمية.
في المحصلة، لا يعود عدم خضوع الولايات المتحدة والهند للصين إلى مجرد مواقف سياسية، بل إلى اختلال بنيوي في معادلة القوة من وجهة نظر بكين نفسها. فالصين قادرة على الضغط، لكنها ليست في موقع يسمح لها بفرض إرادتها على قوى تمتلك هامشًا واسعًا من المناورة والتحالفات والقدرات الذاتية.
وهكذا، تكشف الانتقادات الدولية وردود بكين عنها حدود القوة الصينية، وتؤكد أن الصراع الدائر اليوم ليس صراع إخضاع، بل صراع نفوذ وإدارة توازنات في نظام دولي يتجه نحو تعددية أكثر تعقيدًا.
الصين بين إدارة الصعود واختبار الحدود (2026-2030)
مع دخول النصف الثاني من العقد الحالي، ستجد الصين نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا: كيف تواصل صعودها العسكري والاقتصادي دون أن تدفع القوى الكبرى إلى اصطفاف أكثر صلابة ضدها. فالسنوات الممتدة بين 2026 و2030 مرشحة لأن تكون مرحلة اختبار حقيقية لحدود القوة الصينية، لا سيما في ملفات حساسة مثل تايوان، وبحر الصين الجنوبي، والهيمالايا.

من المرجّح أن تواصل بكين الاعتماد على استراتيجية الضغط دون الانفجار، عبر تكثيف الاستعراضات العسكرية، وتوسيع النفوذ الاقتصادي، واستخدام الأدوات الدبلوماسية والإعلامية لفرض أمر واقع تدريجي. غير أن هذه المقاربة ستظل محكومة بقيود داخلية تتعلق بالنمو الاقتصادي، والتحولات الديموغرافية، والحاجة إلى الاستقرار الاجتماعي، ما يجعل خيار المواجهة المفتوحة عالي الكلفة.
في المقابل، ستعمل الولايات المتحدة على ترسيخ سياسة الاحتواء المرن، عبر تعزيز تحالفاتها في آسيا، وتوسيع الشراكات التكنولوجية والأمنية، دون الانزلاق إلى صدام مباشر. أما الهند، فستواصل ترسيخ موقعها كقوة مستقلة ووازنة، مستفيدة من تنافس الكبار لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، دون التفريط باستقلالية قرارها الاستراتيجي.

في هذا السياق، لن يكون مستقبل النظام الدولي محكومًا بانتصار قوة واحدة، بل بقدرة القوى الكبرى على إدارة التنافس دون كسره. وستظل الصين لاعبًا مركزيًا في هذا المشهد، لكن صعودها سيبقى محكومًا بمعادلة دقيقة: طموح متزايد، في مقابل حدود لا يمكن تجاوزها دون إعادة تشكيل النظام الدولي برمّته

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى