اخر الأخبارثقافية

لوحات أسامة حمدي.. سيرة غير مكتوبة تختصر عمرًا من الصبر والمقاومة

المراقب العراقي /المحرر الثقافي…

ترى الناقدة أميرة ناجي أن الفنان أسامة حمدي يشتغل على الإنسان بوصفه محور الحياة ومصدر الحكاية والتي هي أشبه بمشهدٍ من سيرةٍ غير مكتوبة تختصر عمرًا من الصبر والمقاومة.

وقالت في قراءة نقدية خصت بها ” المراقب العراقي” :حين نتأمل تجربة الفنان أسامة حمدي نشعر أننا أمام مبدع لا يبحث عن الصورة المبهرة بل عن المعنى الكامن خلفها. فهو لا يقدّم اللوحة بوصفها مساحة للعرض أو الزينة بل بوصفها منطقة تأمل بصري ووجداني تُعيد اكتشاف الإنسان في لحظاته البسيطة والعميقة في آنٍ واحد. في لوحاته يتحوّل الشكل إلى ذاكرة  واللون إلى صوتٍ داخلي والخط إلى أثرٍ روحيٍّ يروي حكاية الوجود الإنساني بصدقٍ نادر”.

وأضافت أن” الفنان أسامة حمدي يشتغل على الإنسان بوصفه محور الحياة ومصدر الحكاية. فالشخصيات التي يصوغها بريشته ليست مجرد وجوهٍ بل كائنات مشبعة بالزمن تختزن في ملامحها حكايات البيوت القديمة وأصوات الأزقة التي غادرتها الضحكات. وفي إحدى لوحاته التي تجمع بين رجلٍ وامرأةٍ مسنين تبدو الصورة أشبه بمشهدٍ من سيرةٍ غير مكتوبة تختصر عمرًا من الصبر والمقاومة  وتحوّل العاديّ إلى استثنائيّ عبر نظرةٍ متفحّصة للروح قبل الجسد”.

وتابعت إن” ما يميز أسامة حمدي هو حسّه الإنساني العالي في تحويل التفاصيل اليومية إلى علامات بصرية مشحونة بالدلالات. لا يلهث وراء المبالغة أو الإبهار بل يعتمد الصدق العاطفي مادةً لبناء رؤيته. ضربات فرشاته قوية لكنها غير عنيفة تُمسك باللحظة قبل أن تفلت وتُبقي على أثرها في مسطح اللوحة كأنها نقش في الزمن”.

وأوضحت أن” ألوانه الترابية لا تُطفئ المشهد، بل تمنحه دفئًا وصدقًا. الأبيض في لوحاته لا يُشير إلى النقاء فقط  بل إلى النور الداخلي  بينما الأسود يرمز إلى صلابة التجربة والذاكرة والألوان الدافئة تشير بحرارة العيش وتفاصيله اليومية”.

وبينت أن” الفنان هنا لا يصنع مشهدًا زخرفيًا بل يخلق فضاءً بصريًا مفتوحًا على التأمل حيث تتجاور الرموز مع الواقعية ويصبح الصمت عنصرًا من عناصر التكوين. فلوحاته تُشبه المرايا لكنها لا تعكس الملامح فحسب بل تعيدنا إلى داخلنا إلى تلك المساحات التي نحتفظ فيها بالحنين والوجع.

وأشارت إلى أنّ” فرادته تكمن في أنه يمنح البطولة للشخصيات العادية ويجعل من التعبير البسيط وثيقة جمالية ووجدانية في آن واحد. هو فنان يرى في الوجوه الشعبية والأجساد المتعبة جزءًا من الذاكرة البصرية للوطن. ومن خلال تلك الوجوه يكتب سردية صامتة عن الناس الذين صنعوا الحياة بصمتهم وتركوا أثرهم في الجدران والأرض والوجدان وهكذا تتحول لوحاته إلى سجل بصري لتأريخٍ غير مكتوب تشكله العاطفة والذاكرة لا الأحداث والوقائع”.

وواصلت :”في المستوى الأكاديمي يمكن قراءة أعمال اسامة حمدي ضمن ما يُعرف بـ الواقعية التعبيرية الرمزية حيث تتفاعل الأشكال الواقعية مع البعد الرمزي في تكوين بصري متوازن”.

ولفتت الى أن” لوحاته تتسم بـ تكوينات متماسكة ترتكز على كتلة مركزية تمنح المشهد ثباتًا بينما تعمل الخلفيات اللونية على خلق فضاء مفتوح يعزز العلاقة بين الشكل والمحيط. الملمس الخشن للسطح اللوني يُكسب اللوحة طابعًا حسّيًا قويًا كأن المادة التشكيلية نفسها تشارك في سرد القصة”.

وأكملت :إن” تجربة أسامة حمدي بما تحمله من صدقٍ إنسانيٍّ ونضجٍ بصريٍّ تؤكد أن الفن يمكن أن يكون شهادة حيّة على نبض الحياة اليومية وأن اللوحة حين تصدر عن روحٍ مخلصة تتحوّل إلى نصّ بصريٍّ خالدٍ في الوجدان فهو يرسم الإنسان لا ليُزيّنه بل ليُكرّمه ويُعيد إليه مكانته في المتحف البصري للذاكرة العراقية والعربية ولعلّ هذه القدرة على تحويل الصمت إلى نداء واليومي إلى خلود هي ما تجعل من أسامة حمدي فنانًا يُحاور اللون بضميرٍ إنسانيٍّ نادر ويمنحنا من خلال لوحاته يقينًا بأن الفن الحقيقي لا يشيخ لأنه ابن الروح والذاكرة معًا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى