البعثات الدبلوماسية تتمدد والإنفاق الداخلي يُخنق بالتقشف

موازنة تستنزف خارج الحدود
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
في كل أزمة مالية تعصف بالبلاد، يتكرر المشهد نفسه، حديث رسمي عن عجز في الموازنة وتحذيرات من انهيار مالي، ثم قرارات تمس المواطن بشكل مباشر عبر فرض الضرائب وتفعيل الجبايات والتلويح بخفض الرواتب، أو تقليص الامتيازات في الدوائر الدنيا التي تعاني أصلاً من ضعف المخصصات والراتب، في المقابل، تبقى الامتيازات العليا لموظفي بعض الوزارات ومدمجي الرواتب، بمنأى عن أي اجراء تخفيضي، وكأن الأزمات لا تطال سوى الفئات الأضعف.
مصادر نيابية كشفت مؤخراً عن وجود قرابة ألف موظف فائض عن الحاجة في البعثات الدبلوماسية العراقية، يكلفون خزينة الدولة نحو مليار دينار يومياً بين رواتب ومخصصات ونفقات تشغيل، هذا الرقم وحده كفيل بإثارة تساؤلات كثيرة حول طبيعة الإدارة المالية للدولة، ومعايير الكفاءة والحاجة الفعلية في التمثيل الدبلوماسي، خاصة في ظل شكاوى مزمنة من ضعف الأداء الخارجي وغياب الأثر السياسي والاقتصادي الملموس.
ولا يقف الهدر عند هذا الحد، إذ تضاف اليه ما بات يعرف بموظفي الرئاسات الثلاث، فضلاً عن الرواتب العالية والمخصصات الكبيرة وحماياتهم المتعددة، والتي تستنزف مبالغ ضخمة دون انعكاس حقيقي على مستوى الأداء المؤسسي أو جودة القرار السياسي، هذا التضخم في الانفاق المالي يمثل عبئاً ثقيلاً على الموازنة، لكنه يبقى خارج دائرة المساءلة الجدية.
من جهة أخرى، تستمر بعض الوزارات في تقاضي مخصصات استثنائية تعود جذورها الى عام 2003، مثل ما يُعرف بمخصصات بريمر، التي مازالت تصرف لقطاعات معينة دون تقييم دوري لجدواها أو ربطها بمؤشرات الأداء، وزارة الكهرباء مثال صارخ على ذلك، إذ تستلم شهرياً مخصصات 60 بالمئة تحت عناوين متعددة في زمن بول بريمر، بالإضافة الى مخصصات أخرى، بينما لا يزال المواطن يعاني انقطاع التيار، ورداءة الخدمة، والاعتماد على المولدات الأهلية، لا أثر ملموس لكل تلك الأموال، سوى مزيد من العقود، ومشاريع غير مكتملة، ووعود تتكرر مع كل صيف.
الأمر ذاته ينطبق على وزارة النفط، التي تعد من أغنى الوزارات من حيث الموارد والمخصصات، لكنها أيضاً من أكثرها غموضاً في تفاصيل الانفاق، حيث تتحدث تقارير رسمية عن مخصصات خيالية ورواتب عالية وفروقات كبيرة بين موظفيها وموظفي وزارات خدمية أخرى، دون مبرر واضح عن ميزة هذه الوزارة عن غيرها، هذا التفاوت يكرس شعوراً عاماً بعدم العدالة، ويعمق الفجوة بين الدولة ومواطنيها.
في مقابل كل ذلك، تلجأ الحكومات المتعاقبة الى أسهل الحلول عند كل ضائقة مالية بالضغط على المواطن، وفرض ضرائب جديدة وجبايات موسعة، وتهديدات بخفض الرواتب في الدوائر التي لا تتمتع أصلا بمخصصات كافية، هذه السياسة تعكس ازدواجية واضحة في إدارة الأزمة، حيث يتم تجاهل مكامن الهدر الكبرى، والالتفاف على المواطن باعتباره الحلقة الأضعف.
وحول هذا الموضوع، أكد الخبير المالي صالح مهدي الهماش في حديث لـ”المراقب العراقي”، ان “المشكلة لا تكمن في قلة الموارد، بل في سوء ادارتها وتوزيعها، مبيناً، ان الدولة تمتلك إمكانيات مالية كبيرة، لكن غياب التخطيط والرقابة، واستمرار الامتيازات غير المبررة، يجعل أي أزمة مالية تتحول الى عبء على المواطن فقط”.
وأضاف، ان “الإصلاح الحقيقي يجب ان يبدأ من أعلى الهرم، عبر مراجعة شاملة للرواتب والمخصصات السيادية، وإعادة تقييم البعثات الدبلوماسية، وربط الانفاق العام بمؤشرات أداء واضحة”.
وأشار الى ان “الحلول ممكنة إذا توفرت الإرادة السياسية، ومنها الغاء المخصصات الاستثنائية التي لا تسند الى عمل فعلي، وتقليص الامتيازات غير المبررة، وتقليل حماية المسؤولين وسياراتهم الفارهة، والاكتفاء بعدد محدود فقط في ظل أجواء انبساط الامن، وتفعيل الرقابة المالية المستقلة، كما شدد على ضرورة حماية رواتب صغار الموظفين وعدم تحميلهم كلفة أخطاء لم يكونوا طرفاً فيها”.
وكشفت بيانات اقتصادية شبه رسمية في وقت سابق، ان حجم الرواتب المخصصة للرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية، البرلمان، الوزراء) خلال العام 2024 بلغت أكثر 5 تريليونات دينار، ناهيك عن رواتب المسؤولين التقاعدية التي تضاف كل أربع سنوات.



