اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

اقتصاد الظل ينمو في العراق وظاهرة الثراء السريع تتسع

نتيجة غياب قانون “من أين لك هذا”


المراقب العراقي / أحمد سعدون..
شهدت الساحة العراقية خلال السنوات الأخيرة اتساعاً لافتاً لظاهرة الثراء الفاحش والسريع، وهي ظاهرة لم تعد خافية على الرأي العام، بعدما تحولت إلى مشهد يومي يراه المواطن في الأحياء السكنية الراقية والسيارات الفارهة والاستهلاك الباذخ، مقابل واقع اقتصادي متردٍ تعاني فيه غالبية الأسر العراقية ضغوط المعيشة وارتفاع معدلات البطالة وضعف الخدمات، هذه المفارقة الحادة فتحت باب التساؤلات حول مصادر هذا الثراء، وطبيعته، وتأثيره العميق على بنية الدولة والمجتمع.
وبحسب توصيف خبراء الاقتصاد، أن ” هذا الثراء لا يرتبط بنشاط إنتاجي حقيقي يتعلق بامتلاك رؤوس أموال معروفة المصدر أو نشاط زراعي أو صناعي، بل هو نتاج مباشر لما يُعرف باقتصاد الظل، الذي ينمو خارج الأطر القانونية والرقابية، ويتغذى على ثغرات النظام المالي والإداري، وعلى ضعف المحاسبة وغياب الشفافية ، مؤكدين أن الاقتصاد الريعي، القائم أساساً على عائدات النفط، وفر بيئة خصبة لظهور هذه الطبقة الثرية المفاجئة، إذ بات الاقتراب من مفاصل المال العام أو مسارات الدولار هو الطريق الأقصر لتحقيق الثروة”.
وفي ذات السياق أكد الخبير الاقتصادي د. فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي “، أن” التلاعب بفارق سعر صرف الدولار بين السوق الرسمي والموازي خلال الفترة السابقة، شكل أحد أبرز أدوات هذا الثراء، حيث تحولت العملة الأجنبية إلى سلعة للمضاربة بدلاً من كونها وسيلة لتسهيل التجارة والاستثمار”.
وأضاف، أن ” الفواتير الوهمية، والتحويلات المالية التي تمر عبر شركات غير قانونية ومصارف تفتقر للرقابة الفعلية، خلقت أرباحاً خيالية بلا أي قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، بل أسهمت بتعميق أزماته”.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يشير الزبيدي إلى أن” العراق أصبح خلال فترات معينة ممراً ومتنفساً لعمليات مالية وتجارية معقدة، عبر مسارات برية وبحرية، تُستخدم فيها عناوين مختلفة لتسويق النفط أو مشتقاته، بمشاركة ناقلات ووسطاء وتسهيلات رسمية وغير رسمية، بالإضافة الى المشاريع الوهمية التي لا تعود الى أي سند قانوني أو تشريعي، مبيناً أن هذا الواقع جعل من قطاع النفط والاستثمار الوهمي، بوابة رئيسة لتكوين الثروات، دون أن ينعكس ذلك على التنمية أو خلق فرص العمل أو تحسين مستوى الخدمات”.
وترتبط هذه الظاهرة بشخصيات طارئة ليس لها تأريخ بالصناعة والتجارة، ولكن غالباً ما تكون مرتبطة بالسياسة أو محمية بها، وتعمل على تعطيل أي محاولة إصلاح حقيقية تمس مصالحها، هذه الشخصيات، وفق التحليل الاقتصادي، لا تبني دولة ولا تساهم بتنويع الاقتصاد، بل تعمق التبعية للريع، وتفرغ مفهوم السوق من معناه الحقيقي.
في المقابل، يتزايد شعور المواطن بالإحباط وفقدان الثقة، حين يرى هذا الثراء يتسع من دون مساءلة، في وقت تُفرض فيه الضرائب والقيود على الشرائح المحدودة الدخل، وتحميل الأزمات المالية على كاهل المجتمع، وأن غياب تفعيل القوانين الرقابية، وفي مقدمتها قانون من أين لك هذا ؟، أسهم بتكريس هذا الواقع، وفتح الباب أمام تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويرى مراقبون أن” المرحلة المقبلة تضع مسؤولية كبيرة على البرلمان القادم وهيآت النزاهة والمؤسسات الرقابية، لفتح هذا الملف بجدية، ومساءلة كل من تضخم رصيده المالي بشكل لا يتناسب مع دخله المعلن، سواء أكان مسؤولاً أو مواطناً عادياً، فالمحاسبة الشفافة ليست فقط أداة قانونية، بل شرط أساس لاستعادة الثقة، وإعادة توجيه الاقتصاد نحو مسار إنتاجي حقيقي في ظل واقع اقتصادي ينبئ بكارثة وشيكة مالم يتم إصلاح حقيقي تشترك فيه جميع مفاصل الدولة وليس الاكتفاء بفرض قيود يتحملها المواطن وحده “.
وأن معالجة ظاهرة الثراء السريع لا يمكن أن تتم بإجراءات شكلية أو حملات إعلامية، بل تتطلب إصلاحاً بنيوياً يشمل النظام المالي والمصرفي، وضبط سوق الصرف، وتشديد الرقابة على التحويلات، وربط الثروة بالنشاط الإنتاجي الحقيقي، ومن دون ذلك، يبقى اقتصاد الظل يتمدد، وتبقى الدولة تدفع ثمن تأجيل المواجهة، ويبقى المواطن يدفع ثمن تهاون وتساهل الحكومة مع سُراق المال العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى