“داعش” في سوريا.. أسباب العودة والتحديات المستقبلية

بقلم: شاهر الشاهر..
على الرغم من إعلان “سقوط الخلافة”، فإنه لم تتم هزيمة “داعش” والقضاء عليه بشكل كامل، فالتنظيم لا يزال يمتلك القدرة على القيام ببعض الهجمات الإرهابية، التي تنفذها ذئابه المنفردة على غرار ما حدث مؤخراً في صحراء تدمر.
لم تكن العملية التي نفذها تنظيم “داعش” الإرهابي في مدينة تدمر السورية، أولى العمليات التي قام بها التنظيم هذا العام ولا أخطرها، لكن استهدافه جنوداً أمريكيين كان هو السبب فيما رأيناه من عودة الحديث عن التحالف الدولي لقتال “داعش”.
يبدو أن التنظيم سعى من خلال عمليته إلى تحقيق جملة من الأهداف وإيصال رسائل عدة، كان من أبرز تلك الأهداف رفع معنويات أفراده، وإعادة إحياء صورته أمام أنصاره، وربما استقطاب المزيد من الدعم المالي، كما يبدو أنه حاول تنشيط خلاياه النائمة وإعادتها إلى العمل.
العملية شكلت خرقاً أمنياً وأثارت الكثير من التساؤلات لجهة وجود عناصر يحملون فكر التنظيم داخل القوات الحكومية، وهو ما يحتم على الحكومة إعادة النظر في ملفات المنتسبين إلى وزارتي الداخلية والدفاع، والتدقيق أكثر في الراغبين بالانتساب إلى المؤسستين العسكرية والأمنية مستقبلاً.
وجرى الحديث عن أن منفذ العملية كان معتقلاً في سجون “داعش” التي تشرف عليها “قسد”، وبالتالي، فإن الكثير من التساؤلات تثار حول مسؤولية “قسد” وقدرتها على الاستمرار بهذا الدور.
كانت الحكومة السورية قد أعلنت انضمامها إلى التحالف الدولي لقتال “داعش” لتكون بذلك الدولة رقم 90 في هذا التحالف الذي تم تشكيله منذ عام 2014 بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
نشاط “داعش” تجاوز سوريا ليصل إلى أستراليا، حيث أعلن التنظيم مسؤوليته عن الهجوم الذي وقع في سيدني، والذي أدى إلى مقتل 15 شخصاً وإصابة أكثر من 40 آخرين. المنفذان، ساجد أكرم (50 عاماً) وابنه نافيد أكرم (24 عاماً)، كانا على صلة بالتنظيم، وفقاً لتحقيقات الشرطة الأسترالية، وهو ما يحتم على المجتمع الدولي دعم الحكومة السورية لقتاله.
وهنا، لا بدَّ من الإشارة إلى أنه، وعلى الرغم من ادعاء الولايات المتحدة محاربتها “داعش”، فإن هناك الكثير من الاتهامات حول قيام القوات الأمريكية بنقل عناصر التنظيم داخل الأراضي السورية من منطقة إلى أخرى، وفقاً لشهادات أبناء تلك المناطق.
أهم أسباب عودة التنظيم هي:
–الفراغ الأمني: الناتج من انهيار النظام السابق، ما أتاح لـ”داعش” فرصة إعادة تنظيم صفوفه والانتشار في مناطق البادية السورية.
–التدهور الاقتصادي: تفاقم الأزمة الاقتصادية في سوريا أدى إلى زيادة معدلات الفقر والبطالة، ما جعل بعض الأفراد أكثر عرضة للتأثر بأيديولوجية التنظيم والانضمام إليه.
–الانقسامات السياسية: فالاختلافات والصراعات بين الفصائل المسلحة داخل سوريا وفّرت لـ”داعش” بيئة مناسبة للتمدد واستغلال تلك الانقسامات لتعزيز نفوذه.
وكان “داعش” قد نفذ عدداً من الهجمات الإرهابية في سوريا، بما في ذلك الهجوم على حافلة عسكرية في دير الزور، والذي أدى إلى مقتل 33 جندياً، كما قام التنظيم بالسيطرة على عدد من المناطق في البادية السورية، بما في ذلك مناطق في دير الزور والرقة. ويستمر “داعش” في تجنيد مقاتلين جدد، خصوصاً من مخيمات اللاجئين في سوريا.
لماذا اختار التنظيم البادية السورية مقراً له؟
تبلغ مساحة البادية السورية نحو (80) ألف كيلومتر مربع، وتتوزع على محافظات: دير الزور، الرقة، حلب، حماة، حمص، ريف دمشق، والسويداء، وتشغل البادية السورية نحو (55%) من مساحة سوريا، وتعد جزءاً من بادية الشام التي تتوزع بين سوريا ولبنان والأردن وتتصل بالصحراء العربية، وتمتد الكتل الجبلية فيها على مساحة (360) كم.
تنطوي البادية السورية على مجموعة من العوامل التي تجعلها ملاذاً آمناً للتنظيم واستمرار نشاطه، نظراً لاعتبارات جغرافية وأمنية واقتصادية، ما يعقد عمليات رصد تحركاته وملاحقته من قبل القوات الحكومية والتحالف الدولي.
أولاً، تتميز البادية بطبيعتها الصحراوية الشاسعة، ذات الارتفاعات المتفاوتة، ما يجعل تتبع عناصر التنظيم أمراً بالغ الصعوبة بسبب التضاريس القاحلة والمعقدة. ثانياً، الكثافة السكانية القليلة لهذه المنطقة، تقلل من احتمال تعرض التنظيم لخطر الاكتشاف المباشر. ثالثاً، تعدّ البادية مصدراً للموارد الطبيعية مثل حقول النفط والغاز، التي يمكن للتنظيم استغلالها كمصدر تمويل رئيسٍ لدعمه اللوجستي والعسكري.
تُفيد تقديرات صادرة عن الأمم المتحدة عام 2022 بأن العدد الإجمالي لعناصر تنظيم “داعش” بين سوريا والعراق يبلغ نحو 10،000 مقاتل، أما بشأن عدد مقاتلي التنظيم في البادية، فمن الصعب تحديد أرقام دقيقة وثابتة، نظراً للتغيرات المستمرة الناتجة عن الخسائر البشرية وتغيير المناطق استعداداً لتنفيذ عمليات خاصة. ومع ذلك، يُقدّر وجود أكثر من 3،000 مقاتل في منطقتي الكوم والبشري، اللتين تُعدّان أبرز مراكز تجمعاتهم، في حين لا يتجاوز عددهم 35 مقاتلًا فقط في ريف السويداء حتى حزيران 2023.



