دمج مستفيدي الرعاية الاجتماعية مسار اقتصادي نحو إصلاح سوق العمل

لتقليل البطالة وتخفيف الضغط على الموازنة
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
في ظل التحديات الاقتصادية المتراكمة التي تواجه العراق، وعلى رأسها البطالة المقنعة وتضخم الكادر الوظيفي الحكومي، تبرز خطوة استثمار مستفيدي الرعاية الاجتماعية وزجهم في مؤسسات الدولة كخيار واقعي وإيجابي لمعالجة أكثر من أزمة في آن واحد، هذه الخطوة لا تمثل مجرد إجراء إداري، بل تعكس تحولاً في إدارة سوق العمل، من منطق الإعالة المستمرة إلى منطق الإنتاج والمشاركة الفاعلة.
فخلال السنوات الماضية، أثقلت التعيينات الحكومية المتكررة كاهل الموازنة العامة، إذ أصبحت الرواتب تشكل النسبة الأكبر من الإنفاق، على حساب الاستثمار والخدمات والبنى التحتية، ومع غياب التخطيط السليم، تحول الكثيرُ من الوظائف إلى عناوين شكلية لا تقابلها إنتاجية حقيقية، ما رسَّخَ مفهوم البطالة المقنعة داخل مؤسسات الدولة، وأضعف كفاءة الأداء العام.
تجربة وزارة الداخلية، ولاسيما في مديرية المرور العامة، قدمت نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه، فقد جرى إشراك مستفيدي الرعاية الاجتماعية ضمن مفاصل العمل المروري، حيث تم توزيع طاقات شابة على التقاطعات الرئيسة وعلى مدار 24 ساعة، هذه الخطوة أسهمت في سد النقص الحاصل في الملاكات، ورفدت الدائرة بموارد بشرية نشطة، وفي الوقت ذاته منحت المستفيدين فرصة حقيقية للاندماج في سوق العمل واكتساب الخبرة والشعور بالاستقرار.
النجاح النسبي لهذه التجربة ساهم بتعميمها على بعض الوزارات كوزارة التربية ودائرة الآثار التابعة لوزارة الثقافة ، ويمكن تعميم هذه التجربة على بقية الوزارات الخدمية التي تحتاج الى جهد ميداني مستمر ، ويمكن استثمار آلاف المستفيدين من الرعاية الاجتماعية ، بدلاً من بقائهم خارج دورة الإنتاج أو الاعتماد الكامل على الإعانات.
ومن منظور اقتصادي، يرى المهتم في هذا الشأن د. فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي “، أن ” هذا التوجه يحمل فوائد متعددة، فمن جهة، يسهم بتقليص مبالغ الرعاية الاجتماعية تدريجياً وتوفيرها للمستفيدين منها فعلاً، ومن جهة أخرى يقلل الحاجة إلى فتح درجات وظيفية جديدة، ما يخفف الضغط على الموازنة العامة، ويسهم برفع مستوى الدخل، وينعكس إيجاباً على الحركة الاقتصادية بشكل عام”.
ولفت الى أن ” المشكلة في العراق ليست في نقص فرص العمل بقدر ما هي في سوء توزيع الموارد البشرية، فهناك قطاعات تعاني ترهلا وظيفيا، وأخرى تعاني نقصا حادا في الأيدي العاملة، مبيناً أن إعادة توجيه مستفيدي الرعاية الاجتماعية نحو قطاعات تحتاج فعلاً إلى العمل الميداني، مع تدريب وتأهيل مناسبَينِ، يمكن أن يكون أحد مفاتيح الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي “.
وأشار الى أن “هذه الخطوة تضيف بعداً اجتماعياً مهماً، إذ تسهم بتعزيز كرامة الفرد، وتحويله من متلقٍّ للمساعدة إلى عنصر فاعل في خدمة مجتمعه، مما ينعكس بدوره على الاستقرار الاجتماعي، ويقلل من مشاعر التهميش والإحباط التي غالباً ما ترافق البطالة طويلة الأمد”.
وقد كشفت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في وقت سابق، عن تعيين حوالي 64 ألف مستفيد من الرعاية الاجتماعية وتحويلهم الى 5 وزارات فضلا عن القطاع الخاص.
ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً برؤية واضحة وتشريعات داعمة، تضمن حقوق المستفيدين، وتحدد طبيعة عملهم، وساعات الدوام، وآليات التقييم، إضافة إلى برامج تدريب حقيقية ترفع كفاءتهم، كما يتطلب الأمر تنسيقاً عالياً بين وزارات العمل والتخطيط والمالية والجهات المستفيدة، لضمان عدم تحول التجربة إلى شكل جديد من أشكال البطالة المُقنّعة”.



