منحوتات هادي عباس.. وقائع حالية تلبس ثوب الأساطير

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يُعد هادي عباس حلقة من الحلقات القليلة الباقية من سلسلة الفنانين الذين يشكلون رابطا إبداعيا مستمرا مع الجيل الاول الذي أسس وأشاع الجمال في الفن العراقي الحديث والمعاصر وهو مساهم فعلي في خلق الحراك الجمالي الذي نأمل ان يستمر طويلا .
وقال الناقد رحيم يوسف في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي”: “لم يكن معرض الفنان الكبير هادي عباس على قاعة أكد للفنون عرضا لتجربة فنية محددة ، بل كان استعراضا لنماذج من مجموعة تجاربه الابداعية التي استمرت لسنوات طويلة وما زالت عبر العديد من الخامات المتنوعة كالبرونز والخشب والسيراميك ، وهي الاعمال التي دلت على قدراته الادائية الكبيرة ورؤاه الفنية المتطورة التي مازال يعمل عليها بذات الشغف والروح الابداعية التي تقاوم الزمن والوهن وهو بهذا يعد معرضا استعاديا لتجربته الابداعية الماضية التي ما تزال مستمرة بذات الروح الابداعية والقدرات الادائية غير المحدودة” .
وأضاف: إن” هادي عباس يتعامل مع قطع الخشب التي تقع تحت يديه بتلك الطريقة ، بل وأكثر فهو كالطائر المسمى نقار الخشب الذي لا يمل من العمل حتى ينجز ما تخيله في تلك القطعة فور وقوعها بين يديه ، او لأنني قرأت ما كتبه الصديق النحات رضا فرحان باعتباره مقربا منه وغالبا ما كان يراقبه وهو يعمل في مشغله على العمل الذي تحت يديه ليكتب عن ذلك بالقول إن هادي عباس فنان كبير ومهم ، ويملك طاقة إنتاج رائعة ، وعندما يعمل فكأنه راهب يؤدي طقوسا عبادية فيستحضر وهو يعمل كل ما تأثر به من فن وإبداع”.
وتابع : في هذا المعرض الذي عرض فيه سيلا من نتاجاته في شتى الانواع الابداعية تشكيليا ، وعلى الرغم من عمله على مختلف تلك الخامات المتفردة كوسائط تعبيرية وإبداعه فيها إلا أنه يجد أن لا حدود لطاقاته الابداعية تعبيرا في الخشب كوسيط تعبيري ولذلك فقد نفذ معظم اعماله اذا لم تكن كلها من مادة الخشب في الآونة الاخيرة ، عبر اعادة خلق الاشكال الفنية بأسلوبه المتفرد”.
وأوضح :”أنه عند النظر الى الاعمال المعروضة ثمة ما يلفت إلى التنوع الاسلوبي الموجود فيها ، هذا التنوع الذي قد يدفع البعض الى ملاحظة وجود تأثيرات واضحة لبعض الفنانين الرواد ، وهو ما لايمكن نفيه ، لكننا نرى ان تلك التأثيرات غير مؤثرة على مسيرته الفنية لأن الفنان يعد من جيل ما بعد الرواد وقد عايش معظمهم وتتلمذ على أيدي البعض منهم فقد تتلمذ في سنته الاولى على يد أستاذ الخزف اليوناني فالانتينوس ومن ثمة على يد الاستاذ محمد غني حكمت في سنته الثانية التي تتطلب التخصص وقد اخبرني بأن فالانتينوس كان متفاجئا لاختياره النحت دون الخزف لبراعته فيه بسنته الاولى تحت يديه ويمكن ملاحظة ذلك في براعته بالكثير من اعمال الخزف التي انتجها ومنها العمل المعروض الذي مازج فيه بين الخزف والخشب بطريقة مدهشة ، وبالتالي فإن تلك التأثيرات ليست بذات اهمية تذكر لانه نهل من ذات المصادر وذات التأثيرات الفنية والفكرية التي عايشها الرواد وعليه يمكننا القول إن هادي عباس يُعد من الجيل الذي يشكل امتدادا لجيل الرواد ولا يمكن فصله عنهم بأي حال من الاحوال “.
وأشار الى أن”هادي عباس يتقمص روح الاسطورة محاولا استغلالها وجعلها تلقي بظلالها على الاعمال التي يجسدها ، والاسطورة هنا ليست باعتبارها متعلقة بافعال واحداث تأريخية ، وانما باعتبارها وعاءً لإحداث حاضر ملتبس يحاول الفنان اسقاطه عليها ، لكي يتوارى خلفها عبر اعادة تجسيد هذا الحاضر. لتتحول عملية التواري لما يشابه التلصص ، ليصبح الفنان جزءا من من تمثلات الحدث لكنه في ذات اللحظة مراقب خارجي لها ، كما انه يبحث عن جذر الاسطورة من اجل تلبيسها غرائبية الواقع ، في واقع اقل ما يقال عنه سوريالية قيامه ووجوده في ذات اللحظة كما هو واضح عبر انقلاب كل شيء في دوامة من عدم الثبات القصدي ، لتتحول ثوابت الفنان الى اوهام نابعة من احلام يقظة عبر ما يجري حوله ، ليحاول تجنب تلك الدوامة وعدم الوقوع في فخاخها المنصوبة عبر لجوئه باتجاه الرمز “.
وبين :أن”الرمز هنا يجسده من خلال الاسطورة او محموعة الاساطير المتجذرة فيه والتي تتلبسه لحظة الخلق ، فتخرج على هيأة أشكال طوطمية غارقة في الغرائبية قد تتوافق مع فهم افتراضي لدى المتلقي “.



