ماذا نكسب من السيطرة على الإفراط والتفريط؟

محمد علي جواد تقي..
ان الوسط بكونه حالة يعيشها الانسان أو نقطة يختارها في ميدان العمل، وحتى فكرة بالذهن، في كل الأحوال، هي محببة للنفس، باعثة على الاطمئنان والسلامة في معظم الأحيان، بينما عكس الوسط؛ التطرّف الباعث على القلق والاضطراب والخوف بدعوى الدفاع عن فكرة وموقف، وهو ما يتجسد بالواقع الخارجي في الإفراط والتفريط.
الإفراط يمثل حركة الانسان، بينما التفريط يمثل ميدان هذه الحركة على أرض الواقع، وأبسط مثال من حياتنا اليومية؛ تناول الطعام والشراب، مع اهتمام الكثير بالجوانب الصحية للخضار واللحوم والفاكهة والألبان ومصادر البروتين والفيتامينات والمعادن، وتحت شعار الإحاطة بكل هذه الفوائد الصحية نشنّ هجوماً كاسحاً على موائد عامرة بهذه الأطعمة في مجالس خاصة كأن يكون حفل زفاف، أو ما أشبه، وهذا يُسمى بالإفراط في تناول الطعام، أما التفريط فانه يقع على الطعام نفسه عندما يجهّز أصحاب حفل الزفاف -مثلاً- أو مناسبات أخرى، كميات هائلة من الطعام تساوي أضعاف مضاعفة للمدعوين، فيكون مصيرها حاويات النفايات، وفيها الرز واللحوم والفاكهة، فنكون قد فرّطنا بنعمة الله علينا.
إن التصرف السليم والحكيم في العلاقات الاجتماعية يعكس منظومة أخلاقية متكاملة في الاسلام تضمن للفرد والجماعة الحالة الوسطية البعيدة عن التوتر والاضطراب والقلق، “فمن لطف الله -سبحانه وتعالى- على الأمة الاسلامية، بل على البشرية جمعاء انه بين كل ما يقرب الناس الى الكمال والحق، سواء في القرآن الكريم، أم على لسان الرسول الكريم، أو أئمة أهل البيت، “صلوات الله عليهم”، لكي يكون الميزان الكامل للأمة الوسط في كل شيء”.
ولا ننسى تصرفات بسيطة لا تثير الاهتمام عند البعض، من شأنها انتاج التطرف نحو الافراط أو التفريط، مثل؛ إعداد الموائد في المجالس العامة، والاهتمام بكمية الذبائح وطول الموائد العامرة بالأطعمة والمشروبات، دون الاهتمام بالتأكيدات الوافرة من المعصومين على احترام النعمة، وعدم التبذير، بل في جزئية دقيقة جاءت في حديث لرسول الله، “صلى الله عليه وآله”: “نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع”.
الوسطية أم مسك العصا من الوسط؟
هذا ما كان في الميدان الاجتماعي، ويمكن ملاحظة آثار الإفراط والتفريط في المجال العقدي أيضاً، وهو ميدان يتصل أيضاً بسلوك وفكر وثقافة الانسان، مما يحفّز الكثير على الدعوة لمفاهيم مثل “الاعتدال” أو “الحياد”، بدعوى الابتعاد عن الزوايا الحادة والتورط بنزاعات كلامية أو مواقف محرجة مع هذا أو ذاك حول فكرة ما أو قضية تأريخية.
للقرآن الكريم كلمته الفاصلة في هذا الشأن في الآية الكريمة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}، هذه الوسطية بيّنها المفسرون على أنها في طريقة التعامل مع الدين، وليس في الدين نفسه، ففي عهد نبي الله موسى “عليه السلام”، وبعد معجزة انفلاق البحر نصفين وغرق فرعون واندثار حكمه وسلطنته بالكامل، وانتصار موسى وقومه، حصل الانحراف المفاجئ على حين غفلة منهم بأن فرطوا فيما جاء به نبيهم من كرامات انقذتهم من الذل والهوان والموت، وكان بصدد اكتمال الديانة اليهودية بشرائع جديدة من السماء، فاستغلوا غياب نبيهم واستبدلوا التوحيد، بعبادة العجل في القصة المعروفة، كما أن القرآن الكريم يروي لنا كيف أن الافراط تجسد في سلوك المؤمنين بنبي الله عيسى بن مريم عندما اتخذوه إلهاً دون الله الواحد الأحد، لمجرد أنه أحيا الموتى، وجاء بمعاجز مذهلة، كما سلكوا الرهبانية بدلاً من المنظومة القيمية التي جاء بها نبيهم ليبشر بها بني اسرائيل بعهد جديد من الحياة الكريمة.
وقد أشار الى هذا أمير المؤمنين، “عليه السلام”، في جوابه لأحد الأشخاص المشككين بحقانية قتال أصحاب الجمل، قائلاً: “إنك ملبوسٌ عليك! إن دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق فأعرف الحق تعرف أهله”، وكانت المحنة في أشدها على المسلمين آنذاك عندما انشقوا صفين لجهلهم مصدر الحق، فأزهقت أرواح الآلاف منهم، وما يزال مسلسل الموت مستمراً في مسيرة الأمة حتى هذا اليوم بسبب ضياعها البوصلة، فصار همّ الجميع تجنب الجدال والنقاش حول أمور الفكر والعقيدة ليأمن على فرصة عمله، وعلى حياته بشكل عام، ربما محاكاة لأصحاب “الوقوف على التلّ أسلم”.
أما البعض الآخر، فقد لجأ الى طريقة “مسك العصا من الوسط”، فهو يدعو الى “الحوار مع الآخر” -مثلاً- ثم يدعو ايضاً الى “احترام الرأي الآخر”، حتى إن كان في صف الباطل، فلا بأس من تبادل وجهات النظر والتباحث في الافكار المختلفة ثم يذهب كلٌ الى حال سبيله، ربما تحت شعار “لا غالب ولا مغلوب”، إن جاز التعبير.
لقد أثبتت التجارب، أن هذا الخيار لا يمكنه انتاج الوسطية الصحيحة، ولا يكافح الإفراط والتفريط إذا لم نقل أنه يؤجّج أوارها أكثر، لأن من يكون على موقفه وفكره غير السليم، فانه يجد من حقه الإفراط أو التفريط بما لديه من أفكار وسلوكيات على صعيد المجتمع، ولا يجد لأحد حقاً في انتقاده ومناقشته فيما هو فيه بدعوى مكافحة التطرّف، وتحديداً “التطرف الديني” منه، في حين هو غارقٌ في التطرف دونما شعور منه.



