اخر الأخباراوراق المراقب

كيف تهزم المعصية بخمس كلمات؟

صباح الصافي..

مشهدٌ نادر يقف فيه رجلٌ محطم أمام سيِّد شباب أهل الجنَّة (عليه السلام)، معترفًا بضعفه، مستسلمًا لعجزه عن مقاومة الذَّنب، باحثًا عن كلمةٍ تنتشله من سقوطه، فيقول بصدقٍ موجع: “أَنَا رَجُلٌ عَاصٍ، وَلَا أَصْبِرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ؛ فَعِظْنِي بِمَوْعِظَةٍ!”.

 فيردّ الإمام الحسين (عليه السلام) بكلماتٍ ليست كأي موعظة؛ كلمات تُفتح بها أبواب البصيرة، فيقول له بصوتٍ يوقظ القلب: “افْعَلْ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ؛ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ!

المحطَّة الأولى: لَا تَأْكُلْ رِزْقَ اللَهِ؛ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ!

 حين قال الإمام (عليه السلام) هذه العبارة، لم يكن يقصد الطَّعام فقط. كان يريد أن يوجِّه الرَّجل إلى حقيقة بديهيَّة؛ لكنَّها عند بعض النَّاس -وخصوصًا في عصر الإغراءات- تضيع بسهولة تحت ضجيج الشَّهوات والحماس والاندفاع.

 رزق الله (سبحانه) لا ينحصر بالطَّعام وحسب، فالهواء الذي تتنفسه، والقلب الذي يخفق من دون إذنك، والعين التي ترى، والقدرة التي تتحرك، والوقت الذي تمضي فيه حياتك. أنت تأخذ من الله (تعالى) في كلِّ لحظة، في كل نَفَس، في كلِّ سلامة، في كلِّ نعمة تراها ولا تراها؛ (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ).

المحطَّة الثَّانية: اُخْرُجْ مِنْ وِلَايَةِ اللَهِ؛ وَأَذْنِبْ مَاشِئْتَ!

 هذا المستوى أعمق من الأوَّل؛ فالولاية ليست رزقًا يُمنح للإنسان فقط؛ وإنَّما هي حماية وهداية ورعاية خفيَّة تحيط به في كلِّ لحظة، حتَّى تلك اللحظات التي يظنُّ فيها أنَّه وحده. الولاية تعمل بصمت، ترافقه قبل أن يطلبها، وتسانده في ضعفه قبل قوَّته، وفي سقطته قبل نهوضه. وحين يبدأ الإنسان بإدراك هذا اللطف الإلهي، يتحرَّك قلبه ببطء نحو الشُّعور بتلك الرِّعاية التي كانت تحيط به منذ البداية، فيكتشف أنَّ الولاية لم تفارقه يومًا… وإن كان هو الغافل عنها.

 أنت في ولاية الله (تعالى) حين يصرف عنك البلاء وأنت لا تشعر، حين يفتح لك باب خير لم تتوقعه، حين يلين قلبك لحظة صلاة أو دعاء بعد أيَّام من القسوة… حين تتذكر الله (سبحانه) فجأة من دون سبب، وتخجل من نفسك ولو قليلًا. والخروج من هذه الولاية يعني أن يُترك الإنسان لنفسه، وأن يتخلَّى عن النُّور الذي يهديه، وأن يصبح أسير شهواته وأهوائه، بلا عناية تحفظه ولا باب يرده إلى الطَّريق. وهذه الحالة لا يصل إليها إلَّا من أغلق قلبه بيده عبر سنوات طويلة من الإصرار على الخطأ ورفض النِّداء الإلهي، فينطفئ فيه نور الهداية -والعياذ بالله- حتَّى يعجز عن رؤية الطَّريق من جديد.

الإمام (عليه السلام) يضع الرَّجل أمام اختيار وجودي: إن استطعت أن تسحب نفسك من يد الله (تعالى)، وأن تخرج من نطاق رحمته، وأن تعيش من دون عناية من الله (تبارك وتعالى)… عندها أذنِب ما شئت.

المحطَّة الثَّالثة: اُطْلُبْ مَوْضِعاً لَا يَرَاكَ اللهُ؛ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ!

 هذه الجملة هي الخنجر الذي يقطع آخر خيط يُجمِّل المعصية في قلب الإنسان. فالإنسان يظنُّ في بعض الأحيان أنَّ الخفاء حصنٌ يحميه، فيتوهم أنَّ الذَّنب إذا غاب عن أعين أهله وأصدقائه والمجتمع خفَّ ثقله، وأنَّ الستر البشري يكفي ليُسقط وطأة الفعل عن ضميره. غير أنَّ هذا الشُّعور ليس سوى محاولة للهروب من الحقيقة؛ إذ إنَّ ما يخفى عن النَّاس لا يخفى عن الله (عزَّ وجلَّ)، ولا يزول أثره عن القلب، ولا تتلاشى مسؤوليته لمجرَّد أنَّه غاب عن الأنظار.

 لكن الإمام (عليه السلام) يواجهه بالحقيقة التي تُسقط كلَّ وهم، فيقول له: إن كنت تظن أنَّ الخفاء يعفيك، فجرِّب أن تبحث عن مكانٍ واحدٍ في الوجود لا يصل إليه علم الله (تعالى)… فإن وجدته فافعل ما تشاء.

المحطَّة الرَّابعة: إذَا جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَكَ فَادْفَعْهُ عَنْ نَفْسِكَ؛ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ!

 هذه الموعظة تدخل أعماق النَّفس مباشرة؛ لأنَّها تخاطب شيئًا يعرفه كلُّ إنسان من دون استثناء:الموت ليس خيارًا، ولا لحظة يُمكن التَّحكم فيها.

 بعض النَّاس في أوج قوته ينسى الموت، ويظنُّ أنَّه بعيد، وأنَّ المعصية لحظة يمكن إصلاحها لاحقًا. لكن الإمام (عليه السلام) يذكِّره:

إذا كانت المعصية عندك سهلة، فهل الموت عندك كذلك؟

إذا كنت تستطيع أن توقف ملك الموت، تعال وأذنب براحتك.

أمَّا إذا كنت لا تقوى على إيقافه، فاعْلَم أنَّ لحظة الموت قد تأتي وأنت في ذنبٍ يقطع طريقك، ويُظلم قلبك، ويضعك أمام الله (تعالى) في أسوأ حال.

المحطَّة الخامسة: إِذَا أَدْخَلَكَ مَالِكٌ في النَّارِ فَلَا تَدْخُلْ في النَّارِ، وَأَذْنِبْ مَاشِئْتَ!

هذه هي آخر صدمة.

الإمام (عليه السلام) ينتقل من الدُّنيا إلى الآخرة مباشرة، ومن الاختيار إلى النَّتيجة، ومن العمل إلى الحساب.

كأنَّ الإمام (عليه السلام) يقول له: إذا استطعت أن تمنع نفسك من دخول النَّار، فتجرَّأ على الذَّنب.

أمَّا إذا كنت تعلم أنَّك ستقف عاجزًا يوم القيامة، فكيف تهدم نفسك اليوم؟

الإمام الحسين (عليه السلام) يوجّهك إلى وقوف صادق مع نفسك: راقب تصرّفاتك، وتأمَّل بعين البصيرة أثر كلِّ فعل تقوم به؛ أثره على اللحظة، وعلى المدى البعيد، وعلى مستقبلك وحياتك كلِّها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى