يانتار.. سفينة روسية استخبارية بقدرات هائلة تثير قلق أوروبا

تمتلك روسيا، أسطولاً بحرياً كبيراً يمكّنها من فرض سيطرتها على المياه الاقليمية والدولية، ومن أبرز السفن الروسية هي السفينة الاستخباراتية الروسية “يانتار” التي عادت مجدداً إلى تنفيذ مهمات بحرية طويلة في المياه الأوروبية، بعد فترة من التراجع أعقبت الحرب مع أوكرانيا، وهذا النشاط المتجدد “أثار قلقاً متزايداً” لدى مسؤولي الأمن والدفاع في أوروبا.
الوحدة العسكرية السرية المسؤولة عن أنشطة السفينة، هي “المديرية الروسية لأبحاث أعماق البحار”، المعروفة اختصاراً باسم GUGI، وتُعد شديدة السرية لدرجة، أن معلوماتها محصورة في نطاق ضيق من الغواصين الروس ذوي التدريب العالي.
ويتكوّن معظم أسطول GUGI من غواصات وأخرى صغيرة، قادرة على الغوص حتى عمق 6 آلاف متر، أي ما يفوق بعشرة أضعاف قدرات الغواصات العسكرية التقليدية، كما تضم الوحدة، سفناً سطحية مثل “يانتار”، الأقل كلفة في التشغيل لمسافات طويلة، والتي تُستخدم كمنصات للغواصين والغواصات.
ونظراً للطبيعة شديدة السرية لـ GUGI، تعمل بشكل مستقل تماماً عن باقي القوات المسلحة الروسية، وترفع تقاريرها مباشرة إلى وزارة الدفاع.
وتُعزَّز هذه الوحدة بإجراءات أمنية محكمة، من بينها أرصفة عائمة جافة مُصمّمة لإخفاء الغواصات عن أعين الأقمار الاصطناعية، كما تم تعزيز الدفاعات حول قاعدة أولينيا جوبا، خلال السنوات الأخيرة، حيث تُظهر صور الأقمار الاصطناعية إنشاء حاجز دفاعي جديد عند مدخل الخليج لمنع دخول السفن القادمة.
وفي وقت سابق من هذا العام، أثار وجود “يانتار” في المياه البريطانية، انتقاداً علنياً نادراً من وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الذي وصف تجول السفينة قرب البنى التحتية البحرية الحساسة بأنه “علامة على تصاعد العدوان الروسي”.
لكن وراء هذا التحذير العلني، كان هناك نشاط أوسع نطاقاً بكثير، إذ أظهرت التقييمات العسكرية، أن “يانتار” كانت واحدة من عدة سفن بحرية روسية، تجمعت في المياه البريطانية، ضمن عمليات مراقبة دامت 13 شهراً حول مواقع بنى تحتية حيوية، بدأت في خريف العام 2023.
وتُعد هذه الأنشطة، مؤشراً على تجدد عمليات الاستطلاع التي ينفذها أسطول GUGI والأسطول الشمالي الروسي، مع استمرار الحرب في أوكرانيا.
وقال سيدهارث كوشال، خبير الأمن البحري في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن: “كانت هناك قناعة بأن GUGI في حالة خمول خلال عاميْ 2022 و2023، لكن بحلول أواخر عام 2023 وأوائل عام 2024، أصبحت موسكو أكثر تقبلاً للمخاطر، ولم تعد تسحب أصولها”.
وأضاف فيلدز: “التفكير العسكري الروسي يُعطي أولوية كبرى لتوجيه ضربات مبكرة وقوية وفي أماكن مؤلمة، لتفادي تصعيد الصراع إلى حرب شاملة.. لقد استثمر الروس، الكثير من الوقت والمال والجهد في رسم خرائط البنى التحتية الوطنية الحيوية لخصومهم، استعداداً للهجوم عليها بشكل سري أو علني”.
وتابع: “لذا، إذا تصاعد التوتر بشكل خطير، قد تُوقف روسيا أنظمة الطاقة والاتصالات لدينا، ما يقوّض الإرادة السياسية والتماسك الاجتماعي، على أمل تفادي اندلاع حرب فعلية”.
ويعتقد مسؤولون غربيون، أن GUGI، التي فرضت عليها الحكومة البريطانية عقوبات هذا الصيف، قادرة على تنفيذ مجموعة واسعة من العمليات السرية ضد الغرب، أبرزها التخريب الذي يُصنّف ضمن “المنطقة الرمادية” بين العلاقات السلمية والصراع المسلح.
وقد باتت أعماق البحار تحظى بأهمية متزايدة في ظل اعتماد العالم المتنامي على البنى التحتية تحت الماء، إذ تمرّ 99% من الاتصالات الرقمية في بريطانيا عبر كابلات الألياف الضوئية البحرية، بينما تنقل خطوط الأنابيب تحت البحر نحو ثلاثة أرباع إمدادات الغاز إلى البلاد.
وتُجهَّز السفينة “يانتار” لإسقاط مركبات غاطسة صغيرة مزوّدة بأذرع ميكانيكية تُمكّنها من التنصّت على كابلات الإنترنت والاتصالات العسكرية واعتراض البيانات منها، أو زرع متفجرات يُمكن تفجيرها لاحقاً.
وأظهر تحليل، أن التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في المنطقة كثيف للغاية، لدرجة أن تتبّع حركة السفن المدنية العادية المتجهة من مورمانسك إلى الشمال، عبر أولينيا جوبا نحو بحار القطب الشمالي، بات مستحيلاً، كما أن استخدام الهواتف المحمولة من قبل أفراد GUGI يخضع لرقابة صارمة.
وبالإضافة إلى أنشطة المراقبة والتخريب في مياه الخصوم، تتحمّل GUGI، مسؤولية صيانة شبكة أجهزة الاستشعار تحت الماء التابعة لموسكو، ورصد السفن الأجنبية في المياه الإقليمية الروسية، وكذلك إزالة أي معدات مثل أجهزة تسجيل السونار التي قد تُترك خلفها.
ويرى أحد الضباط السابقين في البحرية البريطانية أنه يتعيّن على بريطانيا، أن تبذل جهداً أكبر لردع GUGI من خلال مواجهة موسكو بأدلة على تكتيكاتها السرية.
لكن خبراء الملاحة أثاروا مخاوف متكررة من أنه حتى لو طوّرت بريطانيا قدرات أفضل لرصد النشاط البحري المشبوه تحت الماء، فإنها تفتقر إلى الوسائل المناسبة للرد، وذلك بسبب نقص الفرقاطات المضادة للغواصات من طراز Type 23.
وقالت وزارة الدفاع البريطانية لـ”فاينانشيال تايمز” إنها “تركز بشدة” على التهديد الأمني البحري الذي تمثله روسيا، وأنها تستخدم التقنيات الجديدة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، للتخفيف من حدة المخاطر.
وواصلت GUGI تعزيز قدراتها والاستثمار في الموارد اللازمة لتحسين دقتها، ففي وقت سابق من هذا الشهر، أشار جوين جنكينز، قائد البحرية البريطانية، بشكل نادر إلى هذه الوحدة، حيث اعترف في مقابلة مع صحيفة “ذا صن” بأنه اطّلع على أدلة تُظهر أن الوحدة العسكرية السرية تعمل على “تجديد قدراتها”، واختتم تصريحه محذراً بالقول: “يبدو أنها تعود”.



