جدوى الاستثمار الرياضي

زكي الطائي..
الرياضة لم تعد مجرّد منافسات بدنيّة أو ألعاب جماهيريّة، بل أصبحت صناعة قائمة بحدّ ذاتها تتطلّب التخطيط الاستراتيجي وحُسن إدارة الموارد، واعتماد سياسة الجدوى في كُل مشروع أو استثمار رياضي. فالعالم اليوم يسير وفق معايير واضحة تجعل من كُل خطوة تُتخذ في ميدان الرياضة مرتبطة بدراسة جدوى ماليّة وفنيّة واقتصاديّة، تضمن أن الأموال المصروفة تصبُّ في اتجاهها الصحيح بعيدًا عن الهدر والإنفاق العشوائي.
إن غياب الجدوى يعني هدر المال في كثير من المؤسّسات الرياضيّة. فنحن نلاحظ أن ملايين الدولارات تُصرف على مشاريع أو عقود لا تحقق الهدف المرجو منها، سواء كان ذلك في البنية التحتيّة، أو التعاقد مع لاعبين ومدرّبين، أو إقامة بطولات لا تجد صداها لدى الجمهور. هذا الهدر المالي يفتح الباب أمام تحوّل الرياضة إلى وسيلة للبحث عن المال بدلاً من وسيلة لتحقيق الإنجاز! وعندها يصبح العاملون في القطاع الرياضي منشغلين بفتح أبواب للتمويل والصرف أكثر من انشغالهم بفتح أبواب للنجاح والتطوّر، وهنا تكمن المشكلة الحقيقيّة.
المفترض أن يكون المال وسيلة لا غاية. والمعضلة الحقيقيّة أن البعض بات يعتبر الرياضة مهنة للارتزاق لا رسالة للنجاح. فبدلاً من أن يكون الهدف هو تحقيق نتائج مشرّفة وبناء قاعدة جماهيرية وتطوير الفئات العمريّة، أصبح الهدف توقيع العقود وجذب الرُعاة وإنفاق الأموال في اتجاهات لا تخدم العمليّة الرياضيّة. وهنا يأتي دور سياسة الجدوى التي لا تكتفي بتوفير المال بل تُلزم بمراقبة مساره كي لا يذهب إلى غير نصابه.
عندما تُدرس المشاريع الرياضيّة وفق معايير الجدوى، فإن ذلك يفتح الباب أمام الاستدامة. فالنادي الذي يستثمر أمواله في أكاديميّات الناشئين سيضمن إنتاج لاعبين محلّيين يخففون العبء المالي عن خزينة التعاقدات. والاتحاد الذي يصرف بحكمة على المسابقات المحليّة سيحصل على دوري قوي يرفد المنتخب الوطني بالنجوم. أما الهدر والإنفاق غير المدروس فيؤدّيان إلى نتائج مؤقتة لا تلبث أن تتلاشى مع أوّل أزمة ماليّة، وهذا ما يحدث على أرض الواقع.
لقد أثبت العديدُ من التجارب الناجحة في أوروبا وآسيا أن سياسة الجدوى قادرة على تحويل الأندية من مؤسّسات خاسرة إلى شركات رابحة. ويكفي أن نذكر كيف تحوّلت بعض الأندية من حافة الإفلاس إلى علامات تجاريّة عالميّة بفضل حسن الإدارة والاعتماد على دراسات جدوى دقيقة قبل أي خطوة. في المقابل، كم من نادٍ عربي أنفق أموالاً طائلة على نجوم عالميين في نهاية مسيرتهم الكرويّة دون أن يحقق إنجازًا يوازي تلك التكاليف الباهظة.
إن سياسة الجدوى ليست مجرّد إجراء إداري، بل هي منظومة عمل متكاملة تحفظ المال وتوجّهه إلى الطريق الصحيح، وتضع معيار النجاح فوق معيار المكاسب الشخصيّة. فإذا أردنا أن نرى رياضة مزدهرة قادرة على المنافسة عالميًّا، فلا بد من ثقافة جديدة عنوانها: كُل دينار يُصرف يجب أن يعود بنتيجة ملموسة على الرياضة والمجتمع.



