“مقبرة الأسماك الجماعية”استعارة لمكان عراقي تنهشه الحروب والآلام

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد عبد الكريم حمزة عباس أن قصائد المجموعة الشعرية “مقبرة الأسماك الجماعية” للشاعر عبدالحسين بريسم ليست تسجيلًا لوقائع الأمكنة، بل هي تحويلٌ (رمزيٌ) للمكان إلى كائن له ذاكرة ووجع وأسطورة.
وقال عباس في قراءة خص بها “المراقب العراقي”: “في مجموعته الشعرية “مقبرة الأسماك الجماعية”- نصوص في استنطاق المكان – الصادرة عام 2024 عن دار الفؤاد للنشر والتوزيع – مصر، بواقع 43 قصيدة، يُقدِّم عبد الحسين بريسم تجربة شعرية مغايرة تستند إلى مبدأ جوهري: أن للمكان صوتًا وظلًا داخليًا يُمكن إنطاقه شعريًا، القصائد في هذا الديوان ليست تسجيلًا لوقائع الأمكنة، بل هي تحويلٌ (رمزيٌ) للمكان إلى كائن له ذاكرة ووجع وأسطورة”.
وأضاف:”منذ العنوان، يعلن الشاعر عن مزاج جنائزي غرائبي: “مقبرة الأسماك الجماعية”، هذا المكان الذي يوحي بالموت الجماعي، والخراب، والسكينة المثقلة بالتأريخ، هو استعارة أولى للمكان العراقي الذي تنهشه الح /ر/و/ب والآلام. في هذه المجموعة، لا نقرأ عن المكان بوصفه خلفية، بل بوصفه بطلاً سرديًا يمتلك نبضًا وعاطفةً ومصيرًا”.
وتابع :”في قصائد مثل (حارس مقبرة الإنجليز- ص15) و(المنطقة الخضراء- ص19)، و(الجسر المنسي- ص32) يتلبس المكان قناعًا شعريًا، لا يروي فقط ما حدث فيه، بل كيف عَلق ذلك الحدث في جدرانه ورائحته وملمسه”.
وأوضح : أن”نصوص المجموعة تتبنى أسلوب الاختزال الشعري، أي الاقتصار على أقل عدد من الكلمات لبلوغ أعلى درجات الدهشة والرمز، يقترب بريسم من تقنية “القصيدة الومضة”، ولكنه لا يضحّي بالمعنى في سبيل الغموض، كل عبارة لديه محمّلة بحمولة رمزية، وغالبًا ما تفتح أفقًا تأويليًا واسعًا ,هنا، تتكثف تجربة الحرب والتخلي والعبث في صورة بسيطة متقشفة، لكنها تهزّ المتلقي من الداخل”.
وبين:أن”الشاعر يمتلك حساسية عالية لالتقاط المنسي والمهمل والهامشي،فالأمكنة التي اختارها ليست دائمًا شهيرة أو أيقونية، بل هي “مُستَبعدة شعريًا” لكنها ثريّة رمزيًا، مثل الجسر الصدئ أو غرفة البريد القديمة أو أرصفة الصيادين ،وهو بذلك يُمارس ما يمكن تسميته بـ(أنسنة الأمكنة)أي تحويلها من موضوعات صامتة إلى كائنات تتنفس وتبكي وتتذكر، ما يُحيل النصوص إلى تواريخ شعرية غير رسمية”.
وأشار الى أن “ معظم القصائد قصيرة، تشبه الشذرات، ما يعزز طبيعتها التأملية والرمزية وتتميز بلغة مقتصدة، خالية من الزينة الزائدة، لكن مشحونة بمجازات غير مبتذلة وتهيمن نبرة مرثوية – حنينية، دون أن تسقط في البكائية بينما الإيقاع غائب في صورته التقليدية، لكنه يحضر عبر تكرارات داخلية، وسيناريوهات صوتية هادئة”.
ومضى بالقول إن”هذه المجموعة تأتي ضمن موجة حديثة في الشعر العراقي تميل إلى اللامباشرة والرمزية المكانية، بعيدًا عن النزعة الخطابية أو الأيديولوجية وبريسم، في هذا السياق، يُعد من الشعراء الذين ينحتون لغتهم الخاصة، مستفيدًا من إرث الحداثة الشعرية، لكن دون أن يتقيد بقوالب جاهزة”.
وأكمل : إن”مقبرة الأسماك الجماعية” ليست فقط مجموعة شعرية، بل هي خرائط وجدانية للمكان العراقي وقد تحوّل المكان فيها من مسرح للعيش إلى سجل للحطام ففيها الكثير من التأمل العميق، والقليل من الضجيج،تجربة شعرية تُراهن على أن الدهشة لا تُصنع بالكلمات الكثيرة، بل بالزوايا التي ننظر منها إلى العالم”.



