اراء

الاشتباك في السويداء.. المواقف الإقليمية والتداعيات على لبنان

بقلم: جمال واكيم..

لا تزال الأوضاع في جنوب سوريا تشهد توترًا كبيرًا في ظل عدم ضبط الصِّدامات بين البدو المدعومين من سلطة الجولاني وتركيا من جهة، وأهل جبل العرب الدروز الذين باتوا يتلقون دعمًا من “إسرائيل” من جهة أخرى. هذه الاشتباكات جاءت نتيجة فشل الترتيبات التي كان قد توصل إليها الجولاني في لقائه مع مسؤولين “إسرائيليين” خلال زيارتيه الأخيرتين لكل من الإمارات وأذربيجان والتي كانت تقضي بدخول قوات الفصائل المدعومة من الجولاني إلى السويداء  مقابل اعترافه بالنفوذ “الإسرائيلي” في جنوب سوريا.

فشل الترتيبات هذه كان ناجمًا بالدرجة الأولى عن عدم انضباطية العناصر الجولانية المعبأة أيديولوجيًا وفقًا لعقيدة ضيقة الأفق جعلتهم يرتكبون تجاوزات أدت إلى الاشتباكات بين هذه العناصر والشبان الدروز وتحولت إلى مواجهة كاملة بين الطرفين. لكن كانت هنالك أسباب أخرى تمثلت في أن القوتين اللتين ساهمتا بالإطاحة بالرئيس بشار الأسد وهما “إسرائيل” وتركيا تمتلكان رؤيتين مختلفتين لتوزيع النفوذ في سوريا والشكل الذي يجب أن يتخذه النظام السياسي في هذا البلد. ففي حين تصر تركيا على إبقاء سوريا دولة مركزية موحدة ستكون حكمًا تحت النفوذ التركي بحكم الدالة التركية على الجولاني، فإن “إسرائيل” تسعى لتقسيم سوريا على أساس كيانات طائفية تكون حكمًا امتدادًا للنفوذ “الإسرائيلي“.

مواقف الولايات المتحدة والسعودية والإمارات وإيران

تعتبر واشنطن أزمة السويداء فرصة لإضعاف النفوذ الإيراني، وبالتالي إضعاف حزب الله، من خلال تشجيع إعادة تشكيل النظام السوري بما يتماشى مع المصالح الغربية. كما تأمل واشنطن في أن تترسخ حكومة الشرع ضمن إطار معتدل لما بعد الأسد، وأن تحد من ارتباطها بطهران ودعمها لحركات المقاومة في لبنان، بل وأن تمارس ضغوطًا على لبنان بما يقلب التوازنات السياسية في هذا البلد في غير صالح حزب الله. من هنا فإن واشنطن متذبذبة بين دعم الأجندة التركية في سوريا من جهة والأجندة “الإسرائيلية” من جهة أخرى.

وترى الرياض فيما يحدث في السويداء فرصة لإعادة ترسيخ النفوذ العربي السني في المشرق. ورغم ترحيبها بإضعاف موقع إيران وحزب الله، إلا أنها تدعم الجولاني في محاولة للحد من نفوذ “إسرائيل” وتركيا معًا وإيجاد موطىء قدم لها في سوريا. أما أبو ظبي، ورغم أنها تظهر موقفًا مؤيدًا للرياض فيما يتعلق بأزمة السويداء، إلا أنها في حقيقة الأمر تدعم الموقف “الإسرائيلي”، ويتجلى هذا في رعايتها لمحادثات بين مسؤولين سوريين و”إسرائيليين” بالتوازي مع امتلاكها لقنوات اتّصال مع زعيم الدروز في الكيان الصهيوني الشيخ موفق طريف الذي يلعب صلة الوصل بين مكتب رئيس وزراء العدوّ بنيامين نتنياهو وزعيم الدروز في جبل العرب الشيخ حكمت الهجري.

تداعيات محتملة على لبنان

يراقب دروز لبنان، عن كثب، ما يحصل في السويداء. وقد أعرب غالبية قادتهم ومن ضمنهم وليد جنبلاط وشيخ طائفة الموحدين الدروز سامي أبي المنى عن معارضتهم لتوجه الهجري في الانضواء ضمن المشروع “الإسرائيلي”، داعين في الوقت نفسه الدولة السورية في ظل الجولاني إلى تحمل مسؤولياتها. وقد شكل هذا جسرًا لرأب الصدع مع القيادات السنية في لبنان التي باتت أقرب إلى توثيق عرى العلاقات مع سلطة الجولاني في دمشق. في نفس الوقت فإن الممارسات الوحشية التي ارتكبتها قوات الجولاني في السويداء جعلت غالبية الجمهور الدرزي يعيد حساباته ويدعم التمسك بسلاح حزب الله ليس فقط كضمانة في مواجهة الاحتلال “الإسرائيلي”، بل أيضًا كضمانة في مواجهة احتمال تسلل عناصر “داعشية” من سوريا إلى لبنان وخصوصًا إلى القرى الدرزية في البقاع الغربي. أما الزعامات السنية في لبنان، فيرون في صراع السويداء مؤشرًا على تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة. وهذا من شأنه أن يعزز نفوذهم في هذا البلد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى