اخر الأخبارثقافية

التشكيلي قيس عيسى.. صناعة الجمال المستل من قبح الحروب

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد رحيم يوسف، إن “الفنان التشكيلي قيس عيسى يسعى الى فرض وجوده على الساحة التشكيلية العراقية، من خلال التجارب التي ميزته أسلوبيا عبر قدراته الادائية المتطورة بين مجايليه من الفنانين الشباب عبر الرسم باللونين الأبيض والأسود، فهو يتصدى لموضوعة الحروب ومخرجاتها وتأثيرها المباشر على جميع الأصعدة، وعلى الانسان بالذات، لأنها تنال من انسانيته قبل كل شيء”.

وقال في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: إن “التجربة التي عاشها وعايشها وراقبها الفنان التشكيلي قيس عيسى طوال سنوات دورانها التي لم تتوقف، وذلك من خلال مجموعة من التخطيطات التي تتسم بالبساطة والعمق في الوقت نفسه تعد انتصاراً لإنسانيته وتأكيداً لقدرة الانسان على تجاوز المحن التي تتركها مخرجات الحروب في هذا البحث الصوري الجمالي المدهش”.

وأضاف: “لا بدائل لنا سوى صناعة الجمال المستل من قبحه الأزلي، نحن نحاول اظهار الوجه البشع له عبر ما نفعل، وهي محاولات، فلا قدرات لنا على تغييره إلا بكشف وجهه القبيح، ونحن كما غيرنا سنبقى شهداءً وشهوداً على ما جرى ويجري ونحن نكتوي بآثار تلك الحروب، ولكن بلغة الجمال التي نجيدها فندوّنها بصرياً كما في السطوح التصويرية الماثلة أمامنا”.

وتابع: إن “التصدي للحرب من خلال مشروع جمالي يعد فكرة معقدة نوعاً ما، ذلك انه قد يقع في سوء الفهم، لكنه مع ذلك يتصدى للفكرة، لا باعتبار الحرب مصدراً للجمال بل لأنه سيعمد الى استلال الجمال من خلال حربه للقبح الذي تتضمنه الحرب، وتلك واحدة من أهم الغايات التي يدعو اليها الفن بالتأكيد، ولذلك فإنه يبدد سوء الفهم الذي قد يحدث وأشرنا اليه عبر ما يكتبه الفنان من نص شبه توضيحي قصير مرافق للسطوح التصويرية التي بثها بالقول: “أنا أشير إلى الحرب والألم والحزن، لكن بلغة الفن والجمال، كي لا أخدش عين المشاهد، وان أكون شاهداً على هذا العصر”.

ويضيف: “كما أني أمارس إحياء الانسان والأشياء والكائنات المعطوبة بلغة التجريد والتعبير ونمذجتها بخطاب فني معاصر”، ويختم بالقول: “اني أبث الحياة في الأشياء المعطوبة”.

وأوضح: إن “الفنان هنا يمد مفاتيح قصدياته للمتلقي، لكي يكون مشاركا واعيا في عملية الخلق، وذلك عبر تأويله لتلك السطوح أو على الأقل التماهي معها، بغية تذوقها جماليا، لان عملية الفهم ليست عسيرة بالمرة، من خلال اختيار الفنان لموضوع عشناه جميعا واكتوينا بنيرانه في أزمنة مختلفة من حيواتنا كما أسلفت عبر تلمس آثارها على جميع الموجودات، مع ان الخيار ليس بالسهولة التي يمكن تصورها للوهلة الأولى، لان معرفة الفنان وخبراته الجمالية والادائية الواضحة جعلته يعمل عبر التضاد اللوني الشحيح جدا، والذي يفرض عليه بذل الكثير من الجهد من أجل بث موضوعته بمجموعة من السطوح التي يغلب عليها التشابه الظاهري”. 

وأشار الى ان “هذا التشابه الذي يجعل من مجموعة السطوح تحمل ترابطا خفيا عبر الجو العام الذي تتشكل منه فرديا ومجموعة المفردات التشخيصية التي تحمل رمزيات تفضي الى الكثير من الدلالات، تلك الرمزيات المفتوحة على العديد من التأويلات المنبثقة من وعي المتلقي بالدرجة الاولى، والتي تتعلق بفهمه للعملية الفنية عموما، ومع ان السطوح التصويرية قد بثت بتبسيط شديد كما أشرنا سابقا إلا انها تتطلب قدرا كبيرا من الوعي لاستلال ما فيها والتمتع بها جماليا”.

وبيّن: إن “عيسى الذي يبدو وكأنه استخدم عملية الخط المتصل في جميع السطوح، والذي تعمد الايحاء بذلك من أجل الامساك بالمتلقي بقوة، جازف نوعا ما بعملية التبسيط للسطوح، التي ارتكزت على التضارب اللوني بين الابيض والأسود، غير ان ذلك لم يحدث اطلاقا بسبب المفردات الرمزية المبثوثة التي عقدت من المشاهد العامة للسطوح، ومع أننا قلنا بان تلك السطوح متصلة ببعضها البعض بشكل خفي، إلا ان كل من تلك السطوح يمتلك استقلاليته، وهو سطح يحمل حكاية من مجموعة من الحكايا التي قد يكمل بعضها البعض في المجمل العام”.

ولفت الى ان “العمل باللون الأبيض على خلفية سوداء كان باهراً ومتميزاً لوجود التضارب الحاد المعروف بين اللونين، فهو قد نفذ سطوحه بالقلم الأبيض على قطع من الورق الأسود، ولم يكن اختياره للأحجام الصغيرة بالتنفيذ اعتباطيا، بل لغرض تكثيف السطوح والتركيز على الثيم التي ملأت ما حولها من الفراغات، ومنحتها مساحة من الجمال الواضح أثناء التلقي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى