اخر الأخبارثقافية

 ” نهري بلا ماء ” عندما يُعيد الشاعر تشكيل الحدث الكربلائي بعيدا عن الماضي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد رياض عبد الواحد أن الشاعر يحيى السماوي استطاع في قصيدة “نهري بلا ماءٍ ” أن يُعيد تشكيل الحدث الكربلائي لا بوصفه قصة ماضٍ، بل بوصفه كربلة الوعي والوجود واللاوعي.

وقال عبد الواحد في قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي”:إن” القصيدة الشعرية اليوم تُعد وسيطًا تداوليًّا مكثّفًا، تتفاعل فيه اللغة والسياق والحسّ الجمعي في لحظة جمالية متوترة. وقصيدة “نهري بلا ماءٍ” تندرج في هذا السياق بوصفها نصًّا شعريًّا ينفتح على أفق الحسين بوصفه حدثًا رمزيًّا مؤسّسًا للوعي العربي والإسلامي، متكئًا على لغة مُوحية، وبلاغة سردية مكثفة، تحوّل المشهد إلى لحظة صدمة دائمة”.

وأضاف:إن”القصيدة تعتمد في بنيتها على التكثيف الرمزي وتفعيل أفعال القول غير المباشرة، فتبدأ بجملة خبرية:”نهري بلا ماء”وهي عبارة تؤسس لفعل تداولي قَصديّ يتجاوز ظاهر القول (إخبار عن نهر جاف) إلى فعل تعجّبي أو احتجاجي، يراد منه التنبيه إلى مفارقة أو خلل في نظام الوجود. من هنا تبدأ القصيدة في تفعيل الوظيفة التداولية المعروفة بـ”الإنذارية” أو “التحذيرية”، وهو ما يشيع في النص بأكمله”.

وتابع : إن”هذا السطر”وأمَّا غابي فيتيمةُ الأفياءِ والأعنابِ” يتموضع في الحقل التداولي المتعلق بـفقدان البركة/الحياة/الكرامة. فالنهر الذي كان يفيض أصبح يابسًا، والغابة التي كانت تستظل وتمتلئ بالثمار أصبحت يتيمة، والتعبير عن الغابة بـ”يتيمة الأفياء والأعناب” يحيل إلى انقطاع النعمة وغياب المدد ومن منظور تداولي، ينتمي هذا القول إلى ما يعرف بـ”أفعال التقييم” وهو فعل يقوم به المتكلم في الحكم على الواقع، ومنح المتلقي مفتاحًا معرفيًا للتأويل، عبر صيغة انفعالية تحمل في طيّها حزنًا وخيبة”.

وأوضح : أن” هذه المقاطع “قُتِلَ الحسينُ؟ فكيف لا يغدو الضحى ليلاً..وشمسُ الصبحِ دون شهابِ؟” تتموضع ضمن نموذج “الاستفهام التقريري الصادم”، والذي يُعد في التداولية من أبرز أساليب أفعال الإقناع، فيعرض الشاعر حقيقة تأريخية (مقتل الحسين) على أنها حدث كونيّ غير قابل للتصديق، فالسؤال التداولي هنا لا ينتظر جوابًا، بل هو “سؤال تأكيدي” يُراد منه نقل وقع المأساة إلى مستوى كوني يتجاوز حدود الجغرافيا والتأريخ ،وتفعيل الزمن النهاري (الضحى) على أنه يغدو ليلاً، وتحويل شمس الصباح إلى نجم مطفأ، كلّها أفعال لغوية تنقل التوتر من المجال النصي إلى القارئ ذاته، ليشعر بالدهشة والخذلان”.

وبين أن” هناك تفعيلا لأفعال القول الانفعالية – مشهد السماء الباكية:”لَطمَتْ ملائكةُ السماءِ خدودَها وبكتْ عليهِ حجارةُ المحرابِ”، هذه الذروة في القصيدة تقود إلى المشهد الأعلى في البنية التداولية: مشهد الحداد الكوني. حين تتجاوز ردة الفعل عالم البشر إلى عالم المفارق (الملائكة) وعالم الجمادات (الحجارة) فالملائكة تلطِم، والحجارة تبكي. إنهما فعلان فائقان لطبيعة الأشياء، يُفعلان لغويًا كنوع من أفعال القول الانفعالية المكثفة:”لطمتْ” فعل انفعالي بدائي يعبر عن ذروة الحزن”بكتْ” فعل إنساني يتجسد في الحجر ليصبح علامة رمزية على اختلال نظام الكون بعد مقتل الحسين ،وهذا المشهد يعتمد على ما يسميه التداوليون “فعل التضمين الثقافي” (Presupposition)، إذ يفترض الشاعر معرفة مسبقة لدى المتلقي بثقل حدث كربلاء، ما يجعل المعنى يتشكل بعمق داخل العقل الجمعي”.

وأشار الى وجود الاحتجاج الرمزي فالقصيدة لا تحكي مقتل الحسين كحدث، بل كـ”نكبة كونية”، فكل شيء انقلب رأسًا على عقب أما التفجير القيمي: فيعلن النص عبر التداولية انهيار قيم “العدالة، والنبل، والقداسة”، حين يُقتل الحسين، فينهار العالم معه”.

وأكمل :إن”النهر بلا ماء” ليس مجرد صورة عن الظمأ، بل هو تمثيل لأنا متصدعة تبحث عن رموز الحياة في مشهد موت. و”الغابة اليتيمة” هي اللاوعي المُجتث من الأمان الأولي، من ظلّ الأم وخصب الأرض، وكل ذلك يُصاغ بصمت الصدمة.أما سؤال: “قُتِلَ الحسين؟”، فهو تجلٍّ واضح لما يسميه علماء النفس بـ”إنكار الفاجعة”، حيث لا تصدّق النفس ما حدث، فيأتي السؤال محمّلاً بذهول الإنسان أمام الجريمة، ورفضه النفسي العميق لها، وإن أدركها عقليًا.

وختم “بهذا المعنى، فإن الشاعر يُعيد تشكيل الحدث الكربلائي لا بوصفه قصة ماضٍ، بل بوصفه كربلة الوعي والوجود واللاوعي. فالقصيدة لا تتذكّر فقط، بل “تُكابد” عبر ذاكرتها، وتُقاسم المتلقي فجيعة مستمرة تتناسل رمزيًا في ذاته وتأريخ أمته”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى