يروِي ترابَ الطفِّ من دمِهِ

قاسم العابدي
منذُ ارتجاهُ على أيّامِهِ الظّمأُ
وكان جرفُ حنينِ النهرِ يهترِئُ
لم يلقَ شيئاً سِوى أقصَى مُروءَتِهِ
فراحَ من حائه للكَونِ يبتدئُ
يَفيضُ في الوقتِ وقتاً ثمّ يَنسِفُهُ
كأنّما مِنه معنَى الوقتِ يَجتزِئُ
في ضِفّتَيهِ صَوابٌ باتَ يُرهِقهُ
مُذْ أبصرَ الأمرَ بوحاً حفّهُ الخطأُ
فراحَ يروِي ترابَ الطفِّ من دمِهِ
كأنّهُ سيلُ كونٍ والثّرى سَبَأُ
سِفرُ الإباءِ تسامَى من طفولتِهِ
فكيفَ يُنكرُ أدنَى ضوئِهِ المَلَأُُ
كلُّ الأماكنِ روّتهَا كهولتُهُ
فصارَ ينزِفُ حبّاً حيثُما يطَأُ
لم يعزفِ الرّعدُ ألحاناً على فمهِ
بل كانَ يذوِي حياءً ثمّ يختبِئُ
والبَرقُ لم يستمعْ إلّا لنغمتِهِ
فإن تَطلّعَ في عينَيهِ ينكفِئُ
يُزخرفُ الضوءَ ضوءاً أو يُلوّنُهُ.
فكيفَ للضوءِ في عينَيهِ ينطفئُ
فهل تخيّلتَ سيلاً حفّهُ عَطَشٌ
والكربلاءات في عينَيهِ تلتجِئُ
أم هلْ تخيّلتَ معنَى المَجدِ في قلقٍ
والمستحيلُ على كفّيهِ يتّكئُ
فالنصرُ والصبرُ والأخلاقُ قد نظرتْ
في راحتَيهِ سحاباً رامَهُ الكَلَأُ
لاتحتويهِ لُغاتٌ رغمَ كثرتِهَا
وكيفَ تحويهِ وهْوَ الباءُ والنّبَأُ
لذا اصطَفَتهُ الرُّؤَى عنوانَ ثورَتِهَا
فكلُّ قلبٍ مُحِبٍّ فيهِ يَمتَلِئُ



