اخر الأخبارثقافية

صبيح كلش يستحضر كلكامش في لوحات عن وطن جُبل على الحروب

المراقب العراقي/ يونس جلوب العراف…

يعد التشكيلي صبيح كلش، واحداً من الرواد الذين يشكلون العلامة الفارقة في أرشفة الواقع العراقي عبر سنوات طوال ومعارض كثيرة أقيمت في العديد من دول العالم، فهو صاحب رؤية فنية تدمج بين الميثولوجي والسياسي، وبين التأريخي والذاتي، محملة بإرث وطن جُبل على الحروب والتوق إلى السلام، وعلى الرغم من اشتراكه في هذه الميزة مع العديد من الفنانين، إلا ان جذور هويته الفنية تعود الى ستينيات القرن الماضي عندما بدأت أولى خطواته في تلمس طريق موهبته بالرسم.

وقال كلش في تصريح خصَّ به “المراقب العراقي”: إن “الفن بصورة عامة رسالة عالمية لإيصال القضايا الانسانية وليس ترفًا بصريًا كما يتصور البعض أو مجرد ألوان يضعها الرسام على قماشة اللوحة، بل هو أداة لفهم الذات والواقع، ووسيلة لتفكيك المعاناة الإنسانية في مختلف دول العالم ولاسيما المستضعفين في فلسطين ويتضح ذلك في الألوان التي يختارها الفنان عندما يريد التعبير عن مكنوناته”.

وأضاف: إن “الفنان وعندما يفكر في اختيار عنوان معرضه أو احدى لوحاته، فيجب التفكير فيه طويلا وأنا عندما اخترت لمعرضي الجديد عنوان “كلكامش.. معنى أن تكون إنسانًا” كان هذا العنوان بالنسبة إليّ مفتاح لقراءة اللوحة، لكونه يحمل شحنة بصرية وروحية تُطلق تأويلات المتلقي وهو ما سعيت اليه بالضبط في هذا العنوان الذي يحمل رمزاً عراقياً معروفاً على مستوى العالم هو كلكامش”.

وأضاف: إن “اختيار الرموز التأريخية في اللوحات ليست حالة جديد بل هي ظاهرة موجودة منذ سنوات طوال، لكون الفن العراقي غنياً بهويته الحضارية العميقة ويستطيع التفاعل مع التيارات الفنية العالمية من تكوين مواكبة للعالم مع الحفاظ على الخصوصية المحلية وايصالها الى العالم والتعريف بها في المعارض العالمية”.

ويعد الفنان كلش من أبرز الفنانين العراقيين الذين امتدت تجربتهم بين العراق وخارجه، وينتمي إلى جيل من الفنانين الذين يسعون إلى الربط بين التراث الرافديني العميق والتعبير الفني المعاصر، تتسم أعماله بروح تأملية قوية، حيث يستلهم رموزه من الطقوس والأساطير العراقية القديمة، ويُدخل عناصر مثل الخط العربي، والهياكل البشرية، والطير، والضوء، لخلق عوالم بصرية تمزج بين الرمز والتجريد، وبين الوجع الإنساني والانبعاث.

وفي معرضه الجديد “كلكامش.. معنى أن تكون إنسانًا” يستحضر الفنان التشكيلي العراقي صبيح كلش سيرة واحدة من أقدم الملاحم الإنسانية، ليحولها إلى تجربة بصرية مفعمة بالتأمل والأسئلة، تستنطق الميثولوجيا السومرية والبابلية بأدوات فنية معاصرة، وتُعيد رسم الملامح القلقة للذات البشرية في مواجهة مصيرها المتقلب.

ويُقام المعرض في غاليري “الأورفلي” بالعاصمة الأردنية عمّان، ويتضمّن مجموعة من الأعمال التشكيلية التي تنصهر فيها الرموز القديمة مع الواقع المعاصر، ليولد من هذا التلاقي فضاء فني تفاعلي ينبض بالرمزية والتأويل، متكئًا على قصة جلجامش، الملك الذي شق طريقه بين الحياة والموت في بحث أزلي عن الخلود، بعد فقدان صديقه أنكيدو.

ويُقدم الفنان أعماله بأسلوب لا يوثق بصريًا للملحمة، بل يعالجها كمدخل فلسفي لمعالجة قضايا الإنسان المعاصر، حيث يغلف الخلود بألوان الفقد، ويواجه الأمل بظلال الخذلان، في رؤية فنية تدمج بين الميثولوجي والسياسي، وبين التأريخي والذاتي، محملة بإرث وطن جُبل على الحروب والمنفى والتوق إلى السلام.

وتتجلّى في اللوحات علاقة معقدة بالهوية والذاكرة، من خلال رموز مثل الثور السماوي، والأفعى، والأبواب الحجرية، والخط المسماري الذي يظهر كندبة غائرة في الجسد أو كصدى لنقوش باهتة في الخلفيات، في توظيف بصري يعمق من الأبعاد التأريخية والإنسانية للأعمال.

ويظهر كلكامش، في إحدى اللوحات، بملامح متداخلة متشظية تعلوها آثار الحرب والغضب، متأملًا الفراغ في لحظة مواجهة صامتة مع ذاته، في تعبير عن هشاشة الإنسان مهما بلغ من سلطة وقوة. وقد اختار الفنان تركيب المعرض في شكل متاهة، تحاكي الرحلة الموحشة التي خاضها كلكامش، في إشارة رمزية إلى دروب الإنسان المحفوفة بالتساؤلات والمخاوف.

وطغت على أعمال المعرض الألوان الترابية والداكنة، لترمز إلى العمق الوجداني والمأساوي الكامن في التجربة، فيما ابتعد الفنان عن تقديم إجابات مباشرة، مفضلًا أن يترك لوحاته تطرح الأسئلة: هل يستطيع الفن أن يعيد ترميم ما أفسده الزمن؟ وهل تمنحنا الأساطير القديمة عزاءً لفهم حاضر مثقل بالتحولات؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى